الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022
أصداء الأحداث: عادل المطيري: العراق: حكومة جديدة وتحديات كبيرة

أصداء الأحداث: عادل المطيري: أميركا وسياسة إعادة التفاوض أو الحرب

يبدو أن إعادة التفاوض أصبحت سمة من سمات الدبلوماسية الأميركية في عهد إدارة الرئيس الأميركي ترمب، فكل اتفاقية دولية لا تلبّي المتطلبات الجديدة للولايات المتحدة، فإن الرئيس ترمب لا يحاول تعديلها مع المحافظة على الاتفاقية أو المعاهدة المنشئة له، بل وبكل بساطة يأمر بالانسحاب منها، ويكون بذلك قد تم إلغاؤها تماماً، ومن ثم تعمل الإدارة الأميركية على إعادة التفاوض من جديد، وبشروط جديدة، قد تغير ملامح الاتفاق الأول كلية.

حدث ذلك مع اتفاقية نافتا (اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، الموقعة في عام ١٩٩٤)، والتي انسحبت منها الولايات المتحدة، وأعادت التفاوض حولها مع شركائها (كندا والمكسيك)، وتوصلوا إلى الاتفاقية الجديدة في سبتمبر ٢٠١٨.

ويحاول الرئيس ترمب أن يفعل ذلك مع الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه في مايو ٢٠١٨، قائلاً إن تطوير إيران صواريخها وتدخلاتها بدول الجوار يهدد الأمن في المنطقة، وكذلك فعل ترمب مع اتفاقية باريس للمناخ التي انسحب منها في يونيو ٢٠١٧، وعلّل ذلك بأنها تعطي مزايا اقتصادية لدول هي الأكثر إحداثاً للتلوث.

وآخر اتفاقية انسحبت منها الولايات المتحدة هي اتفاقية الحد من إنتاج وتجربة الصواريخ المتوسطة المدى (IFN) الموقعة في ديسمبر ١٩٨٧، وتعتبر هذه الاتفاقية هي أحدث وأهم اتفاقية دولية ستخرج منها الولايات المتحدة، بالرغم من أنها تلبي احتياجات أميركا وحلفائها الأوروبيين من جهة، ولم يخل الطرف الآخر الروس من جهة أخرى، إذن لمَ تنسحب أميركا منها؟ الاعتقاد السائد هو أن الولايات المتحدة تريد أن تشمل الاتفاقية الاستراتيجية المهمة دولاً أخرى غير الأطراف الموقعة عليها كالصين مثلاً، معللة بأن أهداف الاتفاقية ومبرراتها لن تتحقق ما دامت هناك دول بالعالم لا تشملها هذه الاتفاقية، لأنها وُقّعت أيام الحرب الباردة، حيث لا يوجد غير الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يستطيعان إنتاج مثل تلك الصواريخ، أما الآن فبإمكان الصين الشعبية وكوريا الشمالية وغيرهما إنتاج تلك الصواريخ النووية متوسطة المدى ٥٠٠-٥٠٠٠ كيلو متر، إذن ما الجدوى من الالتزام باتفاق لا يشمل الجميع؟

ولكن هل بالفعل هدف أميركا استراتيجي، وبالتالي لا تقصد بهذا الإجراء الروس، بل الصينيين، حيث ستتمكن الولايات المتحدة من الوصول إلى العمق الصيني من قواعدها في اليابان وكوريا الجنوبية وبصواريخ متوسطة المدى، ولن تحتاج إلى إرسال صواريخ عابرة للقارات للوصول الى أهدافها الآسيوية؟

من المؤكد أن لذلك الإجراء تبعات ضخمة على السياسة الدفاعية الأميركية في آسيا، وخصوصاً أن الأميركان يشنون حرباً تجارية شرسة على الصينيين.

ختاماً: كان رد الرئيس الروسي بوتن أكثر عقلانية من نظيره الأميركي، فمن جهة حاول تطمين الأوروبيين عندما قال إن روسيا لن تنشر الصواريخ في أوروبا، أو أي مناطق أخرى ما لم تفعل الولايات المتحدة ذلك، ومن جهة أخرى أعلن عن البدء في إجراءات إدخال مجموعة من الصواريخ المتطورة جداً، ولكن الرد القوي لبوتن كان قوله إن بلاده مستعدة عسكرياً لأزمة كأزمة الصواريخ الكوبية إذا أرادت أميركا ذلك.

وأما الصينيون الذين عبروا عن أسفهم من قرار الانسحاب الأميركي فسيضطرون إلى الدخول في حرب باردة بالمحيط الهادي، وسباق تسلح، وكذلك سيفعل الأوروبيون المعنيين بالأزمة مباشرة.

الخلاصة: هل المخاطرة بأمن واستقرار العالم هي إحدى وسائل ترمب في مفاوضاته لتعزيز مكاسب الاقتصاد الأميركي، وجرّ الروس والصينيين إلى سباق تسلح مكلف اقتصادياً، وكذلك الأوربيين سيزيدون من حصصه المالية في الناتو لتعزيز أمنهم، يبدو أن الجميع سيرضخ إلى ما تقرره أميركا في الشأن الاقتصادي العالمي أو سيتعرض أمنه للخطر.

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *