الثلاثاء , 16 أبريل 2024

بريهان القراقصي تكتب: عيون حائره

حين تنظر إليه تشعر وكأنها تنظر إلى بحر من الغموض والحيرة، هكذا شعرت حنان البالغة من العمر ٢٥ عاما ذات الجمال البسيط تجاه زوجها الذي يكبرها عقلاً وقلباً قبل أن يكون عمراً.

عماد شخص تجتمع فيه صفات فتى الأحلام لكل فتاة، فهو حنون طيب القلب مع ذلك عاقل يوزن الأمر بعقله قبل قلبه، ولديه بعض الطباع الحادة، أما عن الشكل فهو وسيم طويل القامة ذو شعر كثيف أسود كسواد الليل يتخلله بعض الشعر الابيض الذي يبدو وكأن خيوطاً ضوئية تنير الظلام الحالك لتكشف عن عمرهُ الثلاثيني.

زوجان مثاليان في زواج ينقصه المثالية لأنه رغم توافقها إلا أن هناك حفرة عميقة بين الزوجين تسببها قلة تواصلهما مما أدى إلى شعور كل منهما بإختلاف الآخر عنه بشكل شديد وأدى أيضاً إلى حصول إختلاف في التفكير والإهتمامات فأصبحوا يفقدون الأشياء التي يتشاركونها قديماً.

أصبحت تلك الإختلافات تؤثر على حياتهما مما نتج عنها مشاحنات وإختصام، وأصبح كل منهما يلوذ بالفرار عن الآخر لتجنب الحديث أكثر. فأصبحت حنان تخلق لنفسها هوايات تشغلها عن زوجها أما الآخر فبات يغمس نفسه في العمل مما أدى إلى قضائه وقتا اطول مع شريكه أحمد وجعله يفضي إليه ما يشعر به إتجاه حنان وكيف تسير الأمور بينهما، فنصحه أحمد بدوره بتطليق حنان والزواج بأخرى لكي يرتاح معها فكرياً.

في البداية رفض عماد رفضاً باتاً ولكن لم يتوانى أحمد للحظة واحدة عن زرع هذه الفكرة وغرسها بداخله وبدأ يعرفه على فتايات أخريات من هم أكثر جمالاً من زوجته حنان ليغريه.

لم يفعل أحمد ذلك حباً في عماد فلم يكن يوما صديقا مخلصا له بل كان يفعل ذلك حبا في حنان فهو قد وقع في حبها من النظرة الأولى منذ ان رآها وهو يوقع مع زوجها عقد شراكتهما معاً رغم أنها لم تتكلم الا كلماتٍ قليلة إلا أنها أثرت قلبه بجمالها البسيط وسكونها وخجلها.

وعندما أخطأ عماد بالبوح بأسرار بيته لأحمد استغل أحمد ذلك ليحصل على ما قد تمناه قديما فقد وقعت الفريسة بين براثن الأسد، وفي نفس الوقت كان أحمد يحاول أن يتواصل مع حنان بأي طريقة ممكنة ليتقرب منها بكثرة زياراته المنزلية لعماد ومحاولاته بإستماته ان يخلق مجالاً للحديث معها لكنها دائما ما كانت تتجاهل حديثه مما زاده إصراراً ..

حاولت حنان للفت إنتباه عماد وتصرفات أحمد وأنها تصرفات غير مقبولة ولكنه كان منشغلا في التفكير بفتاة أخرى ولم يكن ينتبه لأحاديثها معه كالعادة، وفي يوم أراد الله فيه ان يزيل الغشاوة عن بصره حين دبر احمد لعماد موعد مع فتاة معينة، ولكن هذه الفتاة اعتذرت عن الموعد لظروف لها ولم يعلم أحمد بذلك. فعاد عماد إلى البيت باكراً لتصادفه مكالمة هاتفية فتناول سماعة الهاتف وقبل أن يصدر صوتا منه سمع صوت أحمد الذي اندفع بالكلام المعسول والوعود والرجاء طالبا من حنان ان تُسمِعه صوتها وان تعطيه فرصة، فَصُدم عماد وزاد صمته وكلما زاد صمته زاد معه حديث أحمد وطلبه من حنان ان تتخلى عن صمتها هذه المرة حتى إنفجر لسان عماد وأخذ يصيح في الهاتف ويهدد أحمد ان فعلته هذه لن تمر بسلام ثم أغلق الخط وأخذ يبحث عن زوجته لتنال هي الأخرى قسطاً من غضبه ليجدها تصلي فتهدأ نفسه وانتظرها حتى انتهت ، وأعلمها بمكالمة شريكه عماد وما صدر فيها من أحمد وتهديد عماد له فأشاحت ببصرها عنه معاتبته إياه قائلة ( لقد حاولت إخبارك مراراً وتكراراً ولكنك ماكنت تصغي ودائماً تكون في عالم أخر ولا أدري ما بك). إعتذر لها واستأذن منها بالخروج وتوجه إلى مكتبه وأغلق عليه الباب وأخذ يرتب أفكاره آسِفاً في نفسهِ على إفشاءه سر بيته لأحمد الذي وفي لحظة ضعف أعتبره صديقاً له وآسِفاً أيضا على زوجته التي أهملها ومحاولته لمعرفة أخرى عليها وشكر ربه على نعمة زوجته الصالحة.

قرر عماد فض الشراكة التي بينه وبين أحمد حتى وإن كان ذلك سيسبب له خسارة مالية فهو لم يعد يطيق رؤية ذاك الخائن متلون الوجه، وبالفعل في صباح اليوم التالي ذهب عماد الي المكتب وتوجه بكلام حاد إلى أحمد وطلب منه فسخ الشراكة لكن أحمد هدده بأنه سيذهب إلى منزله ليفضحه أمام زوجته بأنه كان يحادث فتيات ويخرج معهن.

إنفعل عماد مهدداً أحمد بالقتل لكن الآخر لم يأبه وخرج من المكتب ليتوجه إلى بيت عماد ليخبر زوجته، أسرع عماد بالخروج من المكتب وتوجه إلى سيارته وأخذ يقود بسرعة جنونية ليلحق بأحمد ولكن في لحظة أقل من الثانية انقلبت السيارة عدة مرات وفقد عماد وعيه وأصيب بعدة إصابات خطيرة، في حين أن أحمد وصل إلى بيت عماد وطرق الباب وعندما علمت حنان ان أحمد هو الطارق صاحت من خلف الباب وأمرته بالذهاب لكن أحمد لم يصغي وأخذ يطرق الباب بجنون ففزعت حنان من تصرفه وأسرعت إلى الهاتف واتصلت بجارتها ندى و طلبت منها ان تأتي هي وزوجها إلى باب بيتها لأن هناك من يريد التهجم عليها وطلبت منها أيضا الإتصال بالشرطة و لم تلبث أن تغلق حنان سماعة الهاتف إلا وجدت أحمد أمام عينيها فقد كسر باب المنزل.

أخذ أحمد يردد (أمازلتي تحبيه بعد أن خانك؟ أنا احبك أنا لم أخبئ حبي لكي.) لم تسمع حنان إلا شيئا واحداً “ان خانك” فقد نزلت على مسامعها كالصاعقة ولم تسمع باقي الجملة ولكنها سرعان ما إستعادت وعيها وصرخت في وجهه ليخرج من المنزل وأنها ستظل تحب عماد حتى وإن خانها وأنها في الأساس لا تصدقه كانت تقول ذلك فقط لتردع أحمد ولكن قلبها كان يعتصر ألماً ، لكن قاطعها أحمد بقوله (معي الدليل! معي صوته مع عشيقاته). أخذت تدفعه قائلةً (أنت كاذب!! أنت كاذب!!).

و في تلك الأثناء وصلت ندى و زوجها و أخذت جارة حنان بتغطية حنان فقد كانت بملابس البيت، اما عن أحمد فلقد لكمه زوج الجارة حتى افقده وعيه.

صعدت حنان مع ندى إلى غرفة النوم لترتدي حجابها بينما إتصلت على الشرطة، وبالفعل ماهي إلا دقائق وأنهت الشرطة قبضها على أحمد وطلبوا من حنان وجيرانها بالقدوم معهم لتقديم بلاغاً بإقتحام المنزل، و قد أتموا الإستماع إلى إفادة الشهود وهم الجيران.

أما عن عماد فقد نقلته الإسعاف إلى أقرب مشفى من مكان الحادث. ولكنه قد تدهورت حالته، فلقد إحتاج إلى الدخول الى غرفة العمليات لوقف النزيف بالمخ، وفي أثناء العملية أخذت الموظفة المختصة بشؤون المرضى المحاولة للوصول إلى أي معلومة أو رقم لتبلغ ذوي المريض بمكان وجوده ووضعه ولكن لم تجد سوى بطاقة عمل لعماد يوجد بها اسم الشركة وأرقامها.

إتصلت الموظفة بالرقم المدون في البطاقة لترد عليها المختصة بخدمة العملاء في الشركة التي أبلغتها الموظفة بالمستشفى بضرورة وسرعة إعلام أهل المدعو عماد بوجوده بالمستشفى بين الحياه والموت.

خرج عماد من غرفة العمليات لينقل إلى غرفة العناية المركزة فقد كانت إصابته بالغة وقد فقد كمية كبيرة من الدم، وعلى الوجه الآخر، يرن هاتف المنزل مراراً وتكراراً فلا يجيب أحد لأنه إلى الآن لم تعد حنان من قسم الشرطة فقد استغرق التحقيق وقتاً طويلاً.

وبعدما عادت حنان إلى المنزل متأخرة وهي تتوقع وجود زوجها بالبيت…تفاجئت بعدم وجود سيارته للتوجه إلى الحراس الذين تركتهم الشرطة عند المنزل لتأمينه بعد أن تم خلع الباب، وتسألهم إذا ما كان قد وصل أحد إلى المنزل ليبلغوها بالنفي.

أصلح النجار باب منزل حنان بعدما اتصل به زوج ندى بعدما رفضت حنان المبيت لديهم خوفاً من قلق عماد عليها عند عودته إلى المنزل إذا لم يجدها، و أخذت حنان تنظر بجانب الهاتف بعد أن ودعت جيرانها وهي تأمل إتصالاً من عماد يبرر فيه تأخره.

و بينما هي تتنظر أدركت أنها لم تؤدي صلاتها بسبب ما حدث فتوضأت وإستعدت للصلاة وأخذت تدعو ربها بأن يصلح بينها وبين زوجها وأن يرده إليها سالماً. انتهت من صلواتها ولم تشعر بنفسها وغرقت في نوم عميق بعدما كانت تُسبح ، فقد كان يومها شديد الصعوبة.

إستيقظت صباحا على صوت الهاتف لتجد الموظفة المختصة بخدمة العملاء في شركة زوجها تخبرها بإتصال موظفة المستشفى بها وأنها حاولت الاتصال بها الليلة الماضية ولكن لم يجب أحد عليها. أغلقت حنان الهاتف في خوفاً تام على زوجها الذي طالما أحبته واخذت ترتدي ملابسها في سرعة شديدة وذهبت إلى المستشفى وفور وصولها سألت على غرفة عماد ليخبروها بأنه في العناية المركزة وأنها الآن ليست في وقت الزيارة، فسألت عن الطبيب الذي يباشر حالة زوجها لتتوجه إليه لتعرف منه حالته وبالفعل شرح لها الطبيب حالة عماد بالتفصيل وطمأنها بأنه تجاوز مرحلة الخطر وسوف ينقل بعد قليل إلى غرفة عادية وبذلك تستطيع المكوث معه حتى يتعافى كلياً.

أمسكت بيده وأخذت تبكي بشدة فقد كانت تلك اليد دائماً تساعدها الآن وهو فاقداً للوعي ويحتاج إلى مساعدتها وصبرها وغفرانها، وبينما هي تبكي وجدت يده تحاول بضعف و وهن ان تشد على يديها. فقالت ( حمداًلله على سلامتك) و لكنه أجابها:(سامحيني سامحيني سا…..) فقاطعته (سامحتك.).

الكاتبة: بريهان القراقصي

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *