الجمعة , 19 أبريل 2024

حليمة المهري تكتب: عبق الذكريات.

عبق الذكريات.

  الذكريات هي من أكثر ما يعلق بالأذهان، مهما حاول الانسان من النسيان، إلا أن ذكرياته تسيطر عليه وتجعله دائما يتذكر، فإما أن تكون هذه الذكريات ذكريات جميلة، وإما أن تكون حزينة ومؤلمة، فالاماكن والشخصيات وحتى الروائح والاغنيات كلها ترتبط بالذكريات، فتعيش فينا ونعيش فيها، لنبق على أمل أن تعود من جديد بحلوها ومرها، ومهما نعمل جاهدين على محاولة النسيان إلّا أنّ الذكريات تبقى محفورة بأعماقنا، وقد نستذكر أشخاصاً في الماضي لم نعرف قيمتهم إلّا عندما ابتعدنا عنهم فنتمنى لو أنّ الزمان يعود ونجتمع معهم مرة أخرى.

 

  يقول فيودور دوستويفسكي(إن الذكريات مؤلمة سواءًا كانت جميلة أم محزنة).

 

  فكثير من الناس يعيشون طويلاً في الماضي، والماضي منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء. كنا في الماضي نتكلم عن المستقبل واليوم لم يعد لنا مستقبل. النفوس توَّاقة لمن يحدثها عن المستقبل، لا لمن يحدثها عن أمجاد الماضي ولو كان عظيماً. من يشنقه صوت الماضي لا يستطيع مخاطبة المستقبل. سر أسرار الحكم هو جمع المرء بين إيمانه بأنّه لا يخطئ وقدرته على التعلم من أخطاء الماضي. عندما ننظر إلى الماضي البعيد نرى الكائنات البشرية مثبتة في أوضاع وأماكن محددة وبصفات شخصية ثابتة.

 

  من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي. تمسّك بالآن، هُنا، حيث يغرق كل المستقبل في الماضي.

 

   الذكريات التي نحاول أن ننساها أو نتهرب منها أو نقلل من شأنها هي نحن بكل طفولتنا وبراءتنا. الذكريات الجميلة نجم في السماء يضيء لنا، ودرة فخر تتلألأ ونزين بها كلامنا، وناي نشدو به، وسفينة أحلام نركبها ونبحر بها عبر الأيام الحاضرة بأمل استعادتها في القادم من أيامنا. الذكريات قد تثير فينا الشجن، قد تثير فينا الحزن، قد تعود بنا إلى الماضي الذي نرفض نسيانه أو الذي نريد نسيانه، ولكن ألا يكفي تذكرنا لها أنّها ما زالت باقية فينا وأنّ أصحابها ما زالوا معنا في قلوبنا وأرواحنا؟  كما تذوب الأحجار في الأحماض، هكذا تتلاشى الذكريات في الأيام والمسافات.يقول غازي القصيبي-رحمه الله-(مشكلتي الحقيقية ليست النسيان،مشكلتي كثيرة الذكريات)

 الذكريات الجمَيلة أصبحَت تأتِي على هَيئةِ وجع .ذكرياتنا، ماضينا، أشخاص مروا فيها وأصبحوا ذكرى، وأشخاص يشدون الرحال إلى عالم من البعد والاشتياق، وبين النسيان والذكرى. رحلوا ولم يتركوا لنا سوى بقايا ماضي، عطر لا ينسى، صوت نتمناه، حضن نفتقده، حب يكبر ويقتل، صور صامتة، شوق لا يبرد، دموع لا تجف، ألم لا ينتهي، منزل خالٍ مليء بالذكريات، وثياب معلقة تقتلنا بين الحين والآخر.

 

   تبقى الذكريات بحلوها ومرها وقود الإنسان، وتذكار الماضي، ودروس المستقبل. مخطئون فيما قالوه عن الماضي، لقد تعلمت كيف أدفنه، إلّا أنه دائماً يجد طريق عودته. من ينظر إلى المرآة يرى المظهر، ومن ينظر إلى الماضي يرى الجوهر. الندم لا يؤدي إلّا إلى إبقائكم عالقين في فخ الماضي،لا تصنع من آلام الماضي تمثالا تقدم له الطقوس كل لحظة ليظل قلبك مجروحاً. ذكريات حفرناها داخل أعماقنا، وصورٌ حفظناها في عيوننا، حنين عظيم حبسناه داخلنا، والأشواق باتت واضحة بكلماتنا، والحب لا يمكن أن نخفيه فينا. لا يستطيع إنسان أو قوة في الوجود أن تمحو الذكريات تماماً. أعود بأفكاري لزماننا وأفتش بين ثنايا الضحكات عن سعادتنا، وتأخذني الأحاسيس إلى أحلامنا، وأرى الثواني تمضي من أمامنا، ولا تزال نفس المشاعر فينا، ودفاترنا لا زالت مملوءة برسم طفولتنا ومقاعدنا لا زالت تحوي دفء حكاياتنا.

 

  هل يا ترى كانت الحياة حقاً بسيطة وعفوية أو هي حلاوة الذكرى تزين في عيوننا الماضي فنستلذّ به؟

 

  ويَبقى شيء من عَبق الماضي عالقٌ بنا رُغم الزَمن، شيء تّعجز يد النسيان أن تطاله. عش في حدود يومك وانسَ الماضي والمستقبل. الماضي بشكل عام لا يهمّ الناس كثيراً بقدر ما يهمهم ماضيهم الخاص بكل ما يحمل من تفاصيل.

 

وفي الختام:

 

  لا تصنع من آلام الماضي تمثالا تقدم له الطقوس كل لحظة ليظل قلبك مجروحاً.

استرجع الذكريات الجميلة بكل تفاصيلها وتجاهل الذكرى الموجعة ،وعش حاضرك بكل مافيه واغرس فيه بذور الأمل لتحصد ثماره في المستقبل .فليذهب الماضي بخيره وشره وليأتنا الحاضر بما نريد.

 

 

الكاتبة: حليمة المهري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

تعليق واحد

  1. مره روعه احسنتِ

    اختك امل المنتشري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *