الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022

راشد بن حميد الجهوري يكتب: إشراقات وسط الزحام

إشراقات وسط الزحام

تتجاذب المرء أهواء شتى، ولا يدري إلى أين يجذبه التيار، وكلما أحاطت به الدنيا بزينتها ومادياتها كلما احتاج إلى روحانيات ترتقي به من درك الشهوات والملذات، لتكون نظرته أوسع أفقا، وأكثر توازنا، وكلما تزاحمت الأقدام من حوله ازدادت حاجته إلى البعد الإيماني.

إن مخالطة الناس -خصوصا في الأسواق وأماكن الترفيه- تستدعي تنبه القلب من مزالق الهوى ووساوس الشيطان، ولا يكون ذلك إلا بإشراقات إيمانية تنير الدروب المظلمة، ومن ذلك الصحبة الطيبة المعينة على إثارة جوانب الخير في النفس، والتي تكون كالدرع الواقي من سهام الشر المتناثرة في الزحام، وكلما تتابعت الخطوات وازدادت شدة الزحام، وحمي وطيس الفتنة، ودقت طبول الضجيج كانت الحاجة ماسة إلى ذكر الله، وإلا تراكمت على القلب الغفلات، وضعف عنصر المقاومة الروحية.

إن شدة الابتلاء واحتمالية السقوط في شرك إبليس يحدث عندما يصاحب الزحام اختلاط الجنسين، وهنا يحتاج المؤمن إلى تذكر قول الله تعالى: ” قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم”، ومع التذكر تبدأ خطوات المجاهدة ومدافعة أوهام الانجذاب للطرف الآخر، وكذلك الحال للمؤمنات تبدأ الإشراقة الإيمانية في قلوبهن من قول الله تعالى: ” وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن”، ويتبع ذلك حياء واحتشام.

وفي وسط الزحام، وعند غروب الشمس سكنت الأرواح، وتوقف المسير، ورفع النداء الرباني: (الله أكبر)، وتناثرت قطرات الوضوء على الوجوه، وفي روحانيتها خروج من زحام المادة إلى معارج الروح، ثم الصلاة مع الجماعة والتي تمثل الإشراقة الكبرى في قلوب الخاشعين، وفيها زاد من الإيمان يعصم المسلم من الوقوع في الفحشاء والمنكر.

إن التنبيه إلى ضرورة الوعي بمزالق الزحام لا يعني أن الزحام ظاهرة سلبية، بل ظاهرة لها إيجابيات متعددة، ومن وسط الزحام وعند طرقه الجانبية قد تتعلم حكمة، أو فكرة، أو قد تطلع على مشروع خيري، أو ترتفع همتك عندما ترى أهل الخير يتسابقون نحو خدمة الضعفاء والمحتاجين في صور من التكافل العلمي والإجتماعي، وحتى القانوني.

وأخيرا: ليس الدخول في الزحام عيبا إن كان للإنسان هدف راقي أو حاجة مشروعة، ولكن العيب أن يدخل الإنسان الزحام بقلب يزاحمه الظلام، ويسعى للآثام، وقد تكون الفتنة من غير زحام، ولكن الأكيد أن الإشراقات الروحية لا غنى للإنسان عنها في كل زمان ومكان.

الكاتب: راشد بن حميد الجهوري
@ra_aljahwari

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *