الجمعة , 9 ديسمبر 2022

راشد بن حميد الجهوري يكتب: بوح الساقية

تتراكم الحكايات على الشريان المائي الممتد، وتتزاحم الذكريات على ضفافه، وتتقاسم النباتات روح الحياة من سقياه، بل يشق طرقه -في بعض الأحيان- بين الصخور ليروي عطش جذورها، وينحني تناغما مع تضاريس الطبيعة ليشكل لوحة رسم ملامحها كدح الأجداد، وباح الفلج بسواقيه المتفرعة، وباحت سواقيه بببعض أسرارها، وتشكل البوح حروفا خضراء تسر الناظرين.

إن الساقية تفرح بظلال السحب، وتضحك عندما تجود عليها بودقها العذب في مشهد جمالي تباركه ألسنة الفلاحين وقلوبهم بشكر الواهب المنعم، وتزداد الصورة رونقا عندما ترى عراجين النخل تحمل أطيب الثمر، وكيف لا يكون كذلك وقد ارتوى من غيث السماء عبر كؤوس الساقية.

إن من يغترف غرفة بيديه من ساقية الفلج يحصل على إيجابية يرتفع بها رصيد معنوياته، وتزداد قطرات ماء الساقية بهاء وتألقا وروحانية عندما تكون وضوءا تغسل بها أدران الذنوب، ويتهيأ بها لأداء عبادة الصلاة، وباحت الساقية هذه المرة بأخبار المنفقين الكرماء، فمنهم من أوقف نصيبه من الماء لسقي نخيل أوقاف المساجد أو نخيل أوقاف الفقراء وطلبة العلم، ومنهم من أوقف النخل وماءها، واستمر بوح الساقية حتى أذن المؤذن لصلاة المغرب، وابتلت عروق الصائمين من مائها العذب، وحل الظلام فجاء فلاحو الليل بعد أن نام فلاحو النهار، فالساقية لا تعرف معنى التوقف، ولم يصلها ضجيج المحركات والالآت الحديثة، وكأنها في هدوءها تصوغ بلاغة البركة، وتنثر فصاحة البوح.

وبعد: فقد مرت أجيال وأجيال على سواقي الماء، ومثلت عصب الحياة في فترات من الزمن، ولا تزال تنضح بالخير والبركة، وتصل إلى أماكن صعبة من التضاريس الجبلية، وفي كل ساقية منها قصص من الماضي، وروايات من حاضر الصور الجوية الجميلة.

وأخيرا: إن بوح الساقية في زمن المتغيرات المتسارعة يبقي صورا من الماضي الجميل، ويعلم الإنسان معاني البساطة المنتجة، ويناديه للتأمل في الفلج وما تفرع عنه من سواقي ليسمع الحكاية من مصدرها الأصلي.

الكاتب: راشد بن حميد الجهوري

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *