الأربعاء , 24 أبريل 2024

راشد بن حميد الجهوري يكتب : خسارة لا تجبرها إلا الدموع

خسارة لا تجبرها إلا الدموع

 

عندما يخسر الإنسان أشياء ثمينة يحبها، أو أخرى تشكلت في أحلامه لكن استحال تحقيقها، فإن الألم النفسي الذي قد يصيب هدوءه وسكينته في هذه الحالة أمر طبيعي فطري غير مستغرب، ولكن العجيب أن يخسر الإنسان شيء فيه تعب ونصب ومشقة فتجده حزينا، والأولى به في المقاييس الدنيوية أن يفرح ويسعد، والأعجب من ذلك أنه لم يجد ما يعوض به خسارته تلك إلا الدموع، والدموع في فلسفتها البسيطة تعبير عن خفقات عنيفة لقلب محزون، وفي فلسفتها المعقدة تعويض للنفس عن خسارة حقيقية لم يكن ممكنا تعويضها بغير تلك القطرات المضطربة على تقاسيم الوجه، ولنبدأ بالحكاية من أولها، لعل ذلك يشرح ما تقدم، ويجلي بعض معاني لغة العيون.

 

هناك حيث تشمخ نخيل يثرب برطبها الطيب، وتتدلى عناقيد الكرم على عروش مزارعها، ويتدفق الماء العذب في سواقيها، يؤذن داعي الجهاد لملاقاة إمبراطورية الروم بغطرستها كونها دولة عظمى في زمانها، ويشد المؤمنون رحالهم لتلبية النداء المقدس، ويعتذر الذين في قلوبهم مرض، والدنيا في ذروة حرها في تلك الصحراء الممتدة نحو الهدف المقصود، فالفصل صيف، والطريق بعيد نحو تبوك، وأمام هذا المشهد بكامل ظروفه وتفاصيله تظهر فئة أخرى من المؤمنين لا تنقصهم الشجاعة بل متشوقون للتضحية في سبيل الله، ولكن تنقصهم الراحلة التي تحملهم، فكيف كانت مشاعرهم؟!

 

لا يوجد وصف أبلغ من وصف القرآن الكريم لهذا المشهد الذي يفيض بمعاني الإيمان والصدق مع الله، حيث يقول الله تعالى: “وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ” التوبة: ٩٢، نعم إنها دموع التعويض عن الخسارة بعدم المشاركة في هذه الغزوة الصعبة، والتي لم تكن رحلة صيد أو سياحة بل فيها احتمالية الموت، وكأني بلسان حالهم:  فليسعد الدمع إن لم يسعد الحال.

 

وبعد:  فما أحوجنا لمثل هذه الدموع في صدقها لنعوض جانب التقصير في حق ربنا، وكم هي الخسارات في جانب العبادات، التي قد لا يهتز لها قلب أو تدمع لها عين، ففي فوات صلوات الجماعة، وإهمال الورد القرآني اليومي، وعدم التصدق ولو بالقليل، أو اتباع الهوى وارتكاب المعصية أمثلة للخسارات التي تستدعي دموع الندم والتوبة، والثلة المؤمنة التي هي مدار حديثنا في هذا المقال عذرهم الله ومع ذلك لم يبخلوا بدموع الحسرة.، وبالعموم فهيهات أن تنقطع سلسلة تلك الفئة الفقيرة في مالها العظيمة في مشاعرها، فلكل زمان رجاله.

 

وختاما:  شكرا لمن غرد بالعنوان والآية، فقد ألهمني أن اكتب هذه السطور بينهما، وأن اكتشف زاوية منسية من زوايا قانون التعويضات. (التغريدة الملهمة للمقال من حساب د.مشعل الفلاحي).

 

الكاتب : راشد بن حميد الجهوري.

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *