الجمعة , 9 ديسمبر 2022

راشد بن حميد الجهوري يكتب: رواحل الحكمة في بيداء الشعر

هناك حيث تناثرت درر الفصاحة على بساط من الحكمة، واجتمعت تجارب الحياة على شكل سحابة تسقي بذور العبقرية الشعرية، وكانت البيداء في كل ذلك الجسر الذي ربط بين حواضر الأدب في زمان شاعرنا، وجاءت الشجاعة في أرقى معانيها مرتبطة بالحكمة:

وكل شجاعة في المرء تغني

ولا مثل الشجاعة في الحكيم 

ولئن كانت الشجاعة في الفعل، فإن فصاحة القول ترتقي عندما تصاحبها الحكمة، وكذلك كان شاعرنا، تفيض الحكمة من عيون قوافيه، حتى تخيلت البيت السابق:

وكل فصاحة في المرء تغني

ولا مثل الفصاحة في الحكيم

يرفع الشاعر بصره في ليلة يزينها قمر مكتمل بنوره، فيوافق معنى من معاني التجربة في نفسه فيقول:

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به

في طلعت البدر ما يغنيك عن زحل

ويطرح فلسفة اللامبالة في قالب شعري، معللا وجهة نظره فيها بعد أن عصرت صبره الرزايا فيقول:

وهان فما أبالي بالرزايا

لأني ما انتفعت بأن أبالي

وفي معنى قريب من هذا يقول الشاعر:

لا تلق دهرك إلا غير مكترث

ما دام يصحب فيه روحك البدن

وانطلقت الرواحل المتعطشة لرؤية واحات الحكمة ونخيل التجارب في بيداء الفصاحة والشعر، وذلك بعد أن أخذت شربتها الأولى، ولئن تأخرت قليلا فلسان حالها ينطق بما قاله شاعرنا:

وإن تأخر عني بعض موعده 

فما تأخر آمالي ولا تهن

لم تتأخر الرواحل بعد أن أسرعت الخطى نحو نقوش الحكمة في صخور القوافي، وسرت ألحان الغربة تردد:

بم التعلل لا أهل ولا وطن

ولا نديم ولا كأس ولا سكن

فجاوبها لسان الطموح والهمة نحو المعالي:

تحقر عندي همتي كل مطلب

ويقصر في عيني المدى المتطاول

وتظهر نقوش العتاب بعد أن نفض غبار الوشايات عن قافية الميم الحكيمة، وازداد وضوح الشطر الثاني بعد أن حل الظلام، ومنه: (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)، وكذلك قوله: (فما لجرح إذا أرضاكم ألم)، وثالث قوله: (إن المعارف في أهل النهى ذمم)، وأيضا قوله: (وشر ما يكسب الإنسان ما يصم)، وهي شوارد عرفتها البيداء، وحفظها القرطاس والقلم.

وهبت على الرواحل نسائم السحر، وتابعت سمرها بدون ضجر، وكيف يضجر من يرشف الحكمة في كؤوس الشعر، وبين غضب العدو وعتاب الصديق يقول شاعرنا:

ويزيدني غضب الأعادي قسوة 

ويلم بي عتب الصديق فأجزع 

ويتكاسل بعض أصحاب القدرات والمواهب عن إدراك المعالي، فيستثير هممهم بقوله:

ولم أرى في عيوب الناس شيئا 

كنقص القادرين على التمام

وأخيرا: عادت رواحل التذوق والأدب محملة بنفائس الشعر والحكمة، ولسان حالها يتغنى بقول شاعرها:

وهكذا كنت في أهلي وفي وطني 

إن النفيس غريب حيثما كان

ذلك هو أبو الطيب المتنبي، وهذه قطرات من بحر شعره، وتوقفت عند هذا الحد خوفا من الغرق، وعلى كل حال (أنا الغريق فما خوفي من البلل).

الكاتب: راشد بن حميد الجهوري

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *