الثلاثاء , 16 أبريل 2024

راشد بن حميد الجهوري يكتب : عندما تشتكي سارية المسجد

عندما تشتكي سارية المسجد

ربط الصحابة الكرام ثمامة بن أثال -قبل أن يسلم- في أحد سواري المسجد النبوي الشريف، والنبي صلى الله عليه وسلم يمر عليه كل يوم يحاوره رغبة في إسلامه، وبعد فترة من الزمن يتسلل نور الهداية إلى قلب ثمامة فينطلق نحو الماء الطهور ليتوضأ ويعلن إسلامه، لتقف تلك السارية التي ربط فيها ثمامة شاهدة على محيط روحاني لم يسمع فيه ثمامة مدة حبسه من ضجيج الدنيا ما يشتت خشوع الساجدين، أو يقطع إخبات المرتلين لآيات الكتاب العزيز، بل رأى السكينة تظلل جنبات المسجد الشريف، وشاهد مظاهر الجمال الإيماني تتجلى في الحركات والهمسات، واستمع إلى كلمات لا تشبه كلمات الأسواق ومجالس الناس في هذه الدنيا، وكأن هذه البقعة من الأرض ليست من الدنيا وهي فيها، وكذلك هي مساجد الله في أرضه مقدسات عظمها المولى تبارك وتعالى.

وبعد:  فلو تكلمت سواري المساجد في زماننا لكان لسانها حالها الشكوى مما وقع الناس فيه من بلوى الأجهزة الحديثة، حيث أفقد ضجيجها الرقمي سكون الخاشعين، وخطفت ذبذباتها من قناديل إشراقها الروحي وهجها ونورها، وزاحمت رسائل الواتساب سطور الآيات الكريمات، وصفحات الفيسبوك صفحات المصحف الشريف، وارتفعت نغمات الاتصال بالخلق قاطعة أشواق الوقوف بين يدي الخالق، فأين التعظيم بعد هذا كله لشعائر الله؟ وأين التمييز لبيوت الله عن غيرها من الأماكن في هذه الدنيا بعد هذا الصخب الرقمي؟

وعودا على بدء، فهل لنا بسارية مثل سارية ثمامة؟ تظهر رجالا يحفظون لبيوت الله قدسيتها، ويرفعونها بالذكر والتلاوة والعبادة لا بالدردشات الدنيوية أو النغمات الرقمية، وهل لنا بوقت نقتطعه من الدنيا لنخرج من صخبها وضجيجها؟ فنعيش روحانية المكان، ونجني ثمرة التقوى بهذه العزلة الروحية، حيث يقول الله تبارك وتعالى: “ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”.

وختاما: عندما نجرب معاهدة النفس على أن لا نستخدم الهاتف في بيوت الله بأي شكل أو لون قاصدين تعظيم المساجد، وراغبين في الخشوع والتبتل لله، وننفذ هذه المعاهدة ونلتزم بها، فإننا بلا شك لن نسمع للسارية شكوى بل سنجني ثمرة التقوى.

الكاتب : راشد بن حميد الجهوري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *