الخميس , 25 أبريل 2024

راشد بن حميد الجهوري يكتب : هل نتعلم من حكاية (أظنكم سمعتم) ؟!

هل نتعلم من حكاية (أظنكم سمعتم) ؟!

 

 

الدنيا تلك المفردة التي تحمل في حروفها ألوان من الزخارف والمتاع والشهرة والمناصب والإعجاب والزينة والشهوات والمطامع في شطرها الأول، وتحمل في شطرها الثاني معاني الابتلاء وحب الخير والمسؤولية وأمانة الاستخلاف وتحمل المشاق، ويظل الإنسان بما تحمل طبيعته من نوازع وميولات وقدرة على الاختيار في محاولات مستمرة لضبط التوازنات بين هذه المتغيرات جميعا، ويأتي الدين بما يحمله من منهج رباني قويم ليصحح  المسارات الخاطئة، وينبه من الوقوع في دوائر الفتنة والضلال، ويشرق الهدي النبوي بشمس الهداية في جوانب الحياة المختلفة ليعطي الأمور أوصافها الحقيقية، ويبدد ضباب الجهل والوهم، فيصبح المتمسك بهذا الهدي الخالد في أمان من الظلم والظلمات.

 

 

ونحن اليوم في أمس الحاجة لنقتبس من نور هذه المشكاة النورانية ما يضيء قلوبنا، ويعمرها بمعاني: “إنما المؤمنون إخوة”، ويجعل النظرة إلى الآخرين نظرة تسمو عن العصبية والمذهبية والحسد والتباغض والمصالح والحقد ، فتكون بذلك واسعة الأفق، أخلاقية في باطنها وظاهرها، أساسها: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”، وثمارها على أمتنا بإذن الله : “بلدة طيبة ورب غفور”، ولا يتحقق ذلك إلى بسعي مستمر نحو تزكية النفوس والارتقاء بها في سلم درجات القرب من الله واتباع منهجه بتحمل مشقة مقاومة الرغبات والأهواء التي يمكن أن تعصف بكيان العدل والحق، ومغريات الفتن في عالم اليوم أظهرت جانبا من التسابق المحموم نحو حطام الدنيا صاحبته الكثير من الموبقات والظلم للآخرين.

 

وبعد: فهذه معاني استلهمتها من ذلك الموقف النبوي، وتلك الحكاية الجميلة التي فاح أريج عطرها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين جمع بين التبشير والتبسم من جهة، وبين النصيحة والتحذير من جهة أخرى لتكتمل حقيقة الصورة، فإليكم نص الرواية وسطور الحكاية.

 

حديث عمرو بن عوف المزني: ((أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرَينِ يأْتي بجِزْيَتِها، وكان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم صالحَ أهلَ البحرَينِ وأمَّرَ عليهمُ العَلاَءَ بنَ الحضْرَميِّ، فقَدِمَ أبو عُبَيْدَةَ بمالٍ مِن البحرَينِ، فسمعتِ الأنصارُ بِقُدُومِ أبي عُبَيْدَةَ، فوافوا صلاة الفجر معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلما انصرف تَعَرَّضوا لهُ، فتبَسَّمَ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين رآهم، ثم قال: (أظُنُّكم سمِعْتُم أنَّ أبا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بشَيءٍ). قالوا: أجل يا رسولَ اللهِ، قال: (فأبْشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكم، فواللهِ ما الفقرَ أخشَى عليكم، ولكني أخشى أن تُبْسَطَ عليكُمُ الدُّنيا، كما بُسطت على من كان من قبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهْلِكَكُمْ كما أهلكتْهُم)) رواه البخاري ومسلم.

 

وختاما: ما أحوجنا لهذا الهدي المحمدي المشرق في عالم أصبحت ظلمات الفتن فيه تزين الباطل والشر والظلم، وتجعل الدنيا غاية لا وسيلة.

 

الكاتب : راشد بن حميد الجهوري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *