الإثنين , 22 أبريل 2024

علي زين العابدين الأزهري يكتب : الوجبات التعليمية السريعة!

تقاس المؤسسات التعليمية بمستوى كوادرها التعليمية المميزة لا بما تمتلكه من مخزون مالي ولا بما تمتلكه من مبانٍ، ولا حتى بتراثها وتاريخها العريق .. فكل تلك الأمور إنما تلجأ إليه المؤسسات الضعيفة التي تحاول جاهدةً تغطية عجزها في صناعة المعرفة وإخراج جيلٍ متعلمٍ يتميز بالثقافة والريادة التعليمية، وفي نظري إنما تقاس أي مؤسسة تعليمية بريادتها في مجالي التعليم والتربية دون غيرهما.
ولطبيعة الحياة الاستثنائية التي يمر بها طلابنا ونعيشها معهم تستوجب على النصح من القائمين على العملية التعليمية العمل وإعادة النظر دوماً في وسائل وأدوات التعليم والتقييم؛ لأن هناك الكثير من التحديات التي تحيط بالطلاب من جميع الجوانب مع واقع شديد التعقيد وكثير المطالب، ولا شك أن المهمة شاقة ومتعبة.
وقد ظهرت منذ سنوات قليلة متلازمة في التعليم استقرت في نفوس الطلاب، والأدهى والأمر استقرارها في نفوس أولياء الأمور والمعلمين، حتى أصبحت منهجاً عاماً عند كثير من المؤسسات التعليمية، وهي متلازمة:

(تلخيص المنهج الدراسي في ورقات يسيرات تعطى للطلاب قبل الاختبار بأيام)

وهي آفةٌ عظيمة، ونوعٌ من الأمراض التعليمية المزمنة المعاصرة، ونازلةٌ من نوازل التعليم، ومستجدةٌ من المستجدات لم يكن عليها سالف القائمين على التعليم، فهذه الملخصات بهذه الصورة تتصف بآثار سلبية كثيرة مضرة للبناء التعليمي وهادمة للكيان المعرفي، فهي تختزل المادة العلمية اختزالاً شديداً مع إهمال الكتب الدراسية المقررة إهمالاً عظيماً، فلم يعد للكتاب المدرسي مع وجود هذه المختصرات عند الطلاب أي قيمة، بل لا يلتفتون له، وقد أبصرت ذلك بنفسي، وليس الخبر كالمعاينة، كما أن هذه المختصرات تلخص المادة المدروسة بما لا يتحقق مع أهداف المادة العلمية المنشودة، وتعتبر من أكبر العوامل المساهمة في إهمال الطلاب للمذاكرة والتعب والجد؛ إذ يتكلون عليها فغالب الاختبارات -إن لم يكن كلها- تأتي منها، كما أنها تساعد على تعويد الطلاب على الحفظ للمعلومات دون إعمال الفكر والنظر والفهم والإدراك للمادة المدروسة، زيادة على إهمال المهارات المرجوة من المادة، وإهمال طرق التدريس الحديثة، وأحسب كذلك مخالفتها لسياسات التعليم في غالب البلدان.
ويمكن كذلك زيادة العبء المادي على المؤسسات التعليمية وأولياء الأمور لأنها تحتاج تكلفة ووقتاً لطباعتها مع تشويه دور المدارس والمعلمين كما أوضحتها بعض التقارير في بعض البلدان.
ولست هنا في صدد الحديث عن الملخصات التي تشمل جميع فقرات المنهج، ومعدة بطريقة تربوية أكثر وضوحاً، وشاملة لجميع المهارات المقررة، وإنما حديثي عن الملخصات وأوراق العمل التي تعبث بالمقرر الدراسي وبمهارات ومفردات المادة الدراسية.
والذي أود التنبيه عليه ويغيب على كثير من المتحمسين أو المنادين لعمل هذه الملخصات أن الكتاب المدرسي بما يحتويه من مفردات ومهارات وتدريبات لم يوضع إلا بعد دراسة متخصصة وعناية فائقة من ذوي الخبرة والتخصص في مجالي التعليم والتربية.
وإذا استمرّ التّعليم بهذه الطّريقة (ملخّصات من ورقات يسيرات تعطى للطّلاب قبل الاختبار بأيّام) فسوف يأتي علينا زمان نتحسّر فيه على زمن كان فيه أستاذ جامعي يعطي كامل الكتاب مقرّراً سوى ورقات معدودة يحذفها تطييباً لقلوب طلّابه، فكان فعله مستنكراً عجيباً بين أبناء جيله، وها أنا، أيّها الأستاذ بعد تقدم العمر، أعترف لك بالعرفان والتّقدير والاحترام من هول ما نشاهده في زماننا! والحمد لله أنّني لم أتعلّم في زمن الحذف والملخّصات أشبه بالوجبات التّعليمية السّريعة.
وإني أنادي إلى ضرورة الالتزام بما يحتويه الكتاب المدرسي وعدم الاستغناء عنه بأوراق عمل أو ملخصات تختزل المحتوى الدراسي، ولا تلتفت لمهاراته بصورة تتسبب في ضياع أهداف التعليم وإهمال العلم شيئاً فشيئاً على مر الأيام، والله الموفق.

الكاتب: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري
باحث وكاتب أزهري

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *