الثلاثاء , 16 أبريل 2024

علي زين العابدين الأزهري يكتب : تلاشي بهجة العيد

تلاشي بهجة العيد

استوقفني في العيد موقف جلوسي في مطعم من المطاعم بعيداً عن بلدي وغريباً عن أهلي، وأثر في نفسي ما سمعته من لسانٍ ممن حولي غير لسان قومي، وما رأيتُه من مظاهر للعيد غير المظاهر التي عشتُها أو عرفتُها، ولا أدعي أنه ليس ثم بهجة أو سرور عندهم، فلكلّ قوم بهجتهم وسرورهم، وعلى أقل الأحوال فقد استفدت معرفةً بأحوال أهل هذه البلاد في العيد لكنها تبقى بهجة بالنسبة لي ليست مكتملة، وبينما تتناوب علي هذه المشاعر والأحاسيس جاءتني رسالة من أحد أصحابي الأوفياء يشكو فيها فقدانه للسعادة التي كان يعيشها في طفولته أيام العيد، فانتبهت لأمرٍ كان غائباً عنّا، وهو أنه كلما تقدم الإنسان في العمر خفّ لديه الشعور والاهتمام بمظاهر وأمورٍ كانت من قبل مصدر سعادة له، وسبباً من أسباب إدخال السرور على قلبه.

إن بهجة العيد تقل وتتلاشى شيئاً فشيئاً حتى يخف وقعها في نفسكَ، ويقل الاهتمام بها لا سيما إذا كنت غريباً عن أهلكَ بعيداً عن وطنكَ، فوقعها في نفسكَ أشد وأشد، ولا تملك حينها مع حنينك للوطن إلا خيالاً واسعاً يرسم في ذهنك بعض صور البهجة السابقة، ويحكي لك بعض الذكريات التي تحاول التزود بها، ويحدثك ببعض المواقف مع أهلك وأصحابك تتكئ عليها في غربتك.

ولعلّ من الأسباب التي تجعل البهجة تقل عندك على مرّ الأيام تغير رأيك واختلاف قناعاتك في بعض الأمور، فما كان مصدر سعادة لا يمثل لك الآن أي سعادة، وهذا في حقيقة أمره لا تعتبره مصدر إزعاجٍ لك، فكلما تقدم بك العمر تغيرت بعض قناعاتك، واختلفت اهتماماتك، وهو أمرٌ صحيٌ فيما يبدو لا ينبغي الانزعاج منه.

وتختلف مظاهر العيد من جيل لجيل مما يؤثر في حصول البهجة، فكانت لا تأتي فيما سبق ليلة العيد حتى يطلع في سمائها البشر والسرور، وكان الأبوان يعدان قبلها بأيام لأطفالهم صنوف الأردية الجميلة، وينام الأطفال ليلتها نوماً هادئاً مطمئناً، ويضعون بجانبهم ملابسهم الجديدة، وتتطاير السعادة حول أسرتهم تطاير العصافير حول الحدائق الجميلة، ويعدّ للأضياف ألوان المطاعم والمشارب، ويبدأ الجميع في حركة مستمرة طيلة هذا اليوم لتبادل الزيارات، ويكون العيد يوماً مشهوداً لا يشتكي الناس فيه هماً، ولا يستشعرون معه حزناً، ويعطفون على المحتاج فيه ويحسنون إليه، ولا يرون لأنفسهم في ذلك فضلاً، ويواسون فيه العاجزين، ويرحمون البائسين.

كان العيد فيما سبق كالكوكب المطل من علياء السماء ينشر لنا في ليلته السعادة، وينير لنا الأرض، ويشرق في أنفسنا السرور، ويبدد ما كان في قلوبنا من هموم وأحزان، ويزيل ما بيننا من خلافات، ويزورنا معه وفيه أحبابٌ وأصحابٌ يبثون النور والطمأنينة، ويجمعنا بأناس فرق الدهر بيننا وابتعدوا عنّا لظروف معيشتهم، فكان العيد قادراً على جمعهم في مكان وزمن محدد.

ولستُ في حاجة لوصف الحالة الحالية للعيد في هذه الأيام، فهو أمر ظاهر ويختلف عن الواقع السابق، وإنما سأعرج فقط على أمر التهنئة بالعيد، حيث تحول الاحتفال بالعيد في الوقت الحاضر إلى رسائل تهنئة تُرسل عبر برامج التواصل الحديثة، وغالبها رسائل مستهلكة متداولة تأتي إلى الناس، فيمررونها إلى غيرهم دون تمحيص أو زيادة، أو محاولة إبداء مشاعرهم، فتصل إليك ولا تجد أثرها في قلبك، ولا تشعر بها، فانحدر بسببها السرور قليلاً قليلاً من قلوبنا، ولعله يوشك أن يأتي علينا زمانٌ ينقبض عنّا العيد شيئاً فشيئاً حتى يفارقنا.

أيها العيد!

إني سائلك بربك أن تقف قليلاً معنا، ولا تغب عنا، ولا تفارقنا، ولا تتركنا منفردين، فلا تعرف البهجة في غير يومك، ولا يستأنس بصاحبٍ في غير ليلتك.

 

الكاتب: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري

                باحث وكاتب أزهري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *