الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022

علي زين العابدين الأزهري يكتب : حق الخصوصية

حق الخصوصية

 

كنتُ ولا زلتُ أومن بحق الخصوصية، وهو حقٌ أصيلٌ لكل شخص، ومتوافقٌ مع حقوق الإنسانية؛ فإني لا أبغض أحداً أكثر من بغضي لهؤلاء المتطفلين على حياة غيرهم، الحريصين تمام الحرص على معرفة تفاصيل أخبارهم، ولا أدري كيف يتجرأون؟ ومَن الذي نصبهم لهذا الفعل؟!

لعلّ هذا البغض يُشاركني فيه كثير من القراء مما يؤرقهم ويتعبهم ذهاب كثير من رقي الأفعال وغياب حقوق الإنسانية، وقبل أيام عرض زميل لي أمراً ظننته ذا قيمة -وليس كذلك- حيث أخبر عن شخصٍ بعيدٍ عنه يغير حالاته على برنامج التواصل (الواتساب) من حين لآخر، ولم يتوقف على هذا الأمر بل تعداه ونزّل نفسه منزلة الرقيب على أفعال الناس، متسائلاً لماذا يغير هذه الحالة إلى هذه الحالة؟ وما السر في ذلك؟ ولماذا يستشهد بهذه الأقوال لهؤلاء الأشخاص؟

لا أخفيك أني جلست أبحث عن صلة القرب بين الشخصين فلم أجد أي قرب أو معرفة تجمعهما، فما الذي جعل هذا الزميل يكلف نفسه لمتابعة حالات غيره؟!

ليته اكتفى بالمتابعة -مع أنه ليس هناك تقارب أو صلة بينهما- فالكل يتابع بحكم تسجيل الأرقام، لكنّ الأدهى أنه يريد التفسير ومعرفة الأسباب لتغيير الحالات، وهذا الفعل هو انتهاكٌ واضح لحق الخصوصية، ولو كنتُ مُشرعاً قانونياً لن أتأخر في وصف دقيق لهذه الأفعال والبحث عن عقوبة رادعة لها.

إني أتساءل كم كلّف هذا الشخص نفسه من التفكير الذهني في هذا الأمر؟ وما الذي سيجنيه؟ وأي مصلحة سيحصلها؟

هذا التفكير الذهني الذي يستغرقه هؤلاء المتطفلون في تتبع أخبار الناس ومعرفة تفاصيل حياتهم تفكيرٌ لا يخرج في الغالب مِن نفس سوية، ولا يعقبه سوى ألم يشعرون به ولو بعد حين.

والمتأمل لهؤلاء الفئة سيجدهم مشغولين بأحوال غيرهم عن حياتهم، ودوماً مَن أشغل نفسه بالناس، وحاول الوقوف على أخبار وأحوال البشرية سيضيع عمره ووقته وصحته فيما لا ينفعه، ومع مرور الوقت والأيام لن يجد لنفسه إنجازاً واحداً يُعرف به، فأعظم الأشخاص إنجازاً في هذه الحياة هم أكثرهم تغافلاً وصمتاً.

لا أكُون متناقضاً حين أخبرك أنّ هناك أشخاصاً قريبين مني أسأل دوماً عن أمورهم -ولو كانت خاصة- ليس من باب الترصد لحالهم، وإنما للاطمئنان، ومَن أشعر منه عدم الرغبة في ذلك أتوقف فوراً عن السؤال مع الأخذ في الاعتبار أنّ الشخص الذي يهتم بتفاصيل حياتك ويسأل عنها كثيراً ليس بالضرورة أن يكون متطفلاً، فقد يكون محباً ومهتماً بك، ولا أظنك عاجزاً عن التفريق بين الشخصين: المتطفل القاطع لجناب حق الخصوصية، والمُحب المهتم بذلك.

وها أنا أخبرك وأُخبر غيرك أني أخبئ في كثير من الأحيان أموري الخاصة، وأكره أن يطلع شخص على طريقة حياتي وسَير أعمالي، وما الجريمة في ذلك؟ فهو حقٌ مشروعٌ لكل إنسان، وحريةٌ تكفلها الشريعة والإنسانية ما دامت هذه الأمور لا تخرج عن الآداب العامة على أنّي كذلك أهمس في أذنيك أني أُطلع عليها مَن أثق فيهم وأتكلم معهم ككلامي مع نفسي، وأناديهم (بأنا)، وينادونني (بأنا)، وهو تعبيرٌ يدل على قوة التلاحم، وهذا التلاحم مبني على قوة تقارب الأفكار، فتقاربت الأفكار ثم اتفقت الأرواح فتآلفت القلوب، وهذا لن يكون إلا مع أشخاص مِن خاصة نفسك، بل من خاصة الخاصة.

وأما غير هؤلاء الموصوفين فَأخوفُ ما أخاف عليك حين تُبدي لهم أمورك وحياتك ألا تجني منهم إلا المكر والغدر وإذاعة أمورك الخاصة، وأنا ناصحٌ لك نصيحة مُحب مشفق:

لا تُبد أمورك وحياتك، ولا تُظهر إنجازاتك إلا لِمَن اتفقتَ معه فكرياً ورُوحياً، وتَصالَحْ مع غيرهم، وعامل الناس بالظاهر، وأحسن الظن بالجميع -إلا إذا بدر منهم ما يسوءك- وعِش مع الجميع في سلام .. لا حَرمك اللهُ من الأمان والسلام.

 

الكاتب: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري

باحث وكاتب ومؤلف أزهري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *