الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022
علي زين العابدين الأزهري

علي زين العابدين الأزهري يكتب : صعودُ البرمجة الحديثة

صعودُ البرمجة الحديثة

 

يُعاني كثير من المعلمين والآباء من سيطرة البرامج الحديثة وقوتها على عقول طلابهم وأولادهم، هذا الأمر الذي سبب لهم خللاً واضحاً في التربية وموازين السلوك والعملية التعليمية، حيث أخذت هذه البرامج حيزاً كبيراً من تفكيرهم.

ويخطأ البعض في مواجهة هذه المشكلة بالمنع التام والرفض المستمر لهذه الوسائل، وهذا المنع يسبب مشاكل نفسية عند الناشئة، ولن يستطيع أيّّ شخص منع هذه البرامج؛ لأنها مبثوثة في البيت وغيره.

 وإذا استطاع الأب منعها عن ولده في البيت فحتماً سيبحث عنها في مدرسته أو مع صديق من أصدقائه أو في ناديه، وسيجدها بكل سهولة، بل أينما توجه ظفر بها؛ لأن المجتمع كلّه مشبع بها.

لا زلتُ أذكر زميلاً أيام دراستنا كان موضع عجب من حاله، وفي أخرى موضع سخرية واستهزاء، وسببه أن والده كان يمنع دخول التلفاز في بيته في وقت كان أبناء جيله يشاهدونه ويعتبرونه حقاً من أبسط حقوقهم.

وأعلم أن ثمّ سؤالاً في ذهنك يراودك الآن عن صاحبنا، هل استطاع هذا الأب منع ابنه من مشاهدة التلفاز فعلاً؟ وهو السؤال الذي وجهته له من قبلُ، وأجابني بأنه يتابع كلّ ما فيه، بل يحكي لك تفاصيل التفاصيل، ومواعيد البرامج والمسلسلات، وأن الأمرّ سهلٌ بالنسبة له، فإذا  أراد مشاهدة شيء ما فإنه يذهب إلى عمته ويشاهده هناك دون علم والده.

وهنا يظهر أثر التربية، فالمنع التام دون مناقشة أو بيان للسبب لن يفيد شيئاً، وممارسة الوالد التسلطية لم تمنع الابن من ممارسة شيء يراه كما يرى كل أبناء جيله حقاً بات لازماً، وكان بإمكان والده أن يرشده للشيء النافع، ويبعده عما يضره في أخلاقه عن اقتناع.

تعددت وسائل البرمجة الحديثة، وشملت الكثير من البرامج، ولا أظن أننا قادرون على منع أولادنا أو طلابنا منها، وإذا منعناهم فلن يكون عندنا قدرة الاستمرار على ذلك طيلة الوقت، بل حتماً سيأتي علينا وقت نضطر فيه اضطراراً للتعايش مع الواقع أو على أقل أحواله التغافل والصمت.

إذا أيقنا حجم المشكلة وكنّا على علم بمآل ما سنصل إليه، وربما نضطر لقبوله، فلماذا لا نقوم بتربية أولادنا على المراقبة الذاتية لأفعالهم، بحيث نجعلهم يملكون ميزاناً يقيسون به هذه البرامج، فيتركون الضارّ منها، ويأخذون النافع لهم، حيث أصبحت البرامج واقعاً لابدّ من قبوله، ولن يفيد شيئاً الهروب منها أو المنع.

لن أُخفي عليك أن أغلب الانحطاط الخُلقي في نظري ناجمٌ عن قوة هذه البرمجة الحديثة من خلال الألعاب الإلكترونية والبرامج والمسلسلات والأفلام …. إلخ، ولن يسلم مع مرور الوقت من هذه البرمجة الحديثة إلا القليل، فإن لم تكن في بيتك الآن فإنها ستدخل قريباً، وتكون بين أولادك سواء شعرتَ أو لم تشعر، وستلاحظ تأثيرها القوي كما لاحظها المعلمون في مدارسهم.

ومع قوة هذه البرمجة وسيطرتها على عقول الناشئة فإن التربية حينها ربما لا تفيد شيئاً أو تكون متأخرة عن وقت وجوبها، ويزيد الأمر خطورة غياب دور المدرسة أو انعدامه بالكلية في تعديل سلوك طلابها، ولذا فإنّ العقل يقتضي الدخول بقوة في هذه البرمجة الحديثة، وأفضلُ سلاحٍ نتسلح به الآن مع أولادنا هو إيجاد (برمجة خاصة بقيمنا وأخلاقنا).

هذه البرمجة الخاصة بقيمنا وأخلاقنا تكون مضادة لانحطاط الأخلاق في البرمجة الحديثة، وتتميز برمجتنا بالقوة والرصانة، وتعتمد على حسن الطرح وقوة الحجة، مع المتعة في العرض والبيان.

وهكذا يتم التعامل مع الوسائل الحديثة المتطورة، فعناصر التقدم المتناقضة أو المتعارضة مع ثقافتنا يمكن أن تعدل لتنسجم مع رؤيتنا وقيمنا الأخلاقية؛ فإن لم يكن التعديل وجب التخلي عنها لكن بحكمة وعقلانية، وأما المنع مطلقاً دون إبداء أسباب مقنعة أو وجود بديلٍ نافعٍ يوازيه فسيؤول الشخص معه لأحد أمرين، وكلاهما مُر: طريق الانحلال أو طريق التطرف، ونعوذُ بالله من كليهما.

 

الكاتب: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري

باحث وكاتب أزهري.

المسيلة الإخبارية

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

تعليق واحد

  1. Aqari is one stop destination for all real estate listings like Buy and Rent properties. search real estate properties like houses, flats, Villas, Shops.
    https://aqari.app/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *