الجمعة , 9 ديسمبر 2022

علي زين العابدين الأزهري يكتب : قصتي مع المؤرخ د. محمد رجب البيومي

قصتي مع المؤرخ د. محمد رجب البيومي

 

شيخي المؤرخ الراوية الدكتور محمد رجب البيومي علمٌ بارز من أعلام الأزهر، وفارسٌ من فرسانه، ورمزٌ من رموز الأدب المبدعين، ولي قصة في التعرف عليه والقرب منه، حيث كان أستاذاً ممتحناً لكثير من الرسائل الجامعية بكلية اللغة العربية بالمنصورة، ويوم تواجده في الكلية يوم عيد للباحثين وأرباب الأدب ومحبي العربية، ولا زلت أذكر وأنا طالب أني كنت دائم البحث عن الرسائل التي سيناقشها شيخنا الأستاذ، أو الاجتماعات التي سيحضرها، وقبلها كنت مولعاً بقراءة مقالاته وتحصيل كتبه.

 

كان شيخنا الأستاذ إذا حضر الكلية وقف الجميع في صف للسلام عليه، وكنت أنتهزها فرصة للتعرف عليه وتقبيل يده، فيقف أساتذة الكلية مع الطلاب في صف طويل للسلام عليه وتقبيل يده الشريفة، ولشدة محبتي له وتعلقي به أسلم وأقبل يده عدة مرات، فإذا انتهيت من المرة الأولى أرجع لآخذ مكاناً لي في آخر الصف حتى يأتي علي الدور مرة ثانية وثالثة، وكنت أشعر ساعتها بسعادة بالغة، فيد شيخنا تستحق التقبيل والتقبيل.

 

هذه اليد الشريفة لشيخنا صافحت وسلمت على كثير من علماء عصره، وأرخت لكثير من الحوادث، وذكرت تراجم عدة لجمهرة من الأولياء والصالحين، وأثرت الحياة الأدبية المعاصرة، وجندت نفسها للدفاع عن الإسلام والأزهر الشريف، واجتهدت في رصد نهضتنا الأدبية والإسلامية، ودحضت أباطيل وشبهات المستشرقين والملحدين، فلا عجب أن أشعر أن تقبيل يده عبادة، فهي ليست كيد أحد الناس.

استمرت معرفتي بشيخي المؤرخ على هذه الطريقة، أنتهز فرصة وجوده في الكلية وأحاول القرب منه وسؤاله والاستفسار عن بعض الأشياء، إلا أن هذا الأمر لم يشبع ما عندي من الشوق والحب له، ولحبي المفرط لشخصيته والتأثر بها والاهتمام بمقالاته وكتبه حاولت مراراً التوصل لعنوان بيته في مدينة المنصورة؛ ليكتمل الحلم الذي طالما انتظرته طويلاً أن أنال شرف التتلمذ عليه والأخذ عنه والرواية المباشرة المتصلة عنه.

تمكنت من معرفة بيت شيخنا المؤرخ وذهبت إليه إلا أنه اعتذر عن مقابلتي لكثرة أعماله وأشغاله لكني لم أيأس وحاولت زيارته أكثر من مرة، ويقابلني في كل مرة بالاعتذار لقلة وقته وكثرة أعماله، ثم نما في فكري حيلة، وهي أن أذهب إليه مرتدياً الزي الأزهري والعمامة الأزهرية؛ لعلها تكون شفيعة لي عند شيخنا، وكنت حينها أعلم أن العمامة الأزهرية لا يُرد لابسها؛ لشرفها وعلو منزلتها عند العلماء بل عند عوام الناس، فطرقت باب شيخنا بعمامتي الأزهرية وحينما رآها شيخنا تبسم وتعجب، وعلم ما يريده الطالب الصغير وأنها حيلة أزهرية، ووقف شيخنا بضع دقائق ينظر إلي ويتعمق في النظر، وأنا ألهج بالدعاء وأحرك شفتي، ولساني حالي ومقالي أن يفتح الله قلب شيخنا لي ويقبلني طالباً ومستفيداً منه ، ثم أذن لي بالدخول، فكانت البداية.

 

 دخلت بيت هذا العالم الموسوعي المؤرخ لأول مرة ولك أن تتخيل السعادة والأنس بذلك، ووجدت نفسي أمام قلب حنون ومشاعر فياضة، فلم يدع شيخنا شيئاً من حياتي إلا وسأل عنه سؤال الأب المشفق الحنون على ولده، وهالني ما رأيته من انكباب شيخنا على العلم والمعرفة، وحدثني شيخنا أنه يقرأ في اليوم أكثر من أربع عشرة ساعة متواصلة، وما رأيته في بيته من كتب ومجلات موزعة هنا وهنالك يشهد بذلك، وقد انتهزت فرصة قربه مني هذا اليوم وقرأت عليه لامية ابن الوردي، ومن العجيب أن الشيخ تأثر بقراءتي لهذه اللامية، ووجدت عينيه تذرفان بالدموع؛ لرقة قلبه.

 

ومع انتهاء لامية ابن الوردي قراءةً على شيخنا الراوية المؤرخ محمد رجب البيومي بدأت قصتي وعلاقتي بشيخنا، ولعلي أسلط الضوء فيما يأتي من مقالات عن بعض المنارات في حياة شيخنا الأستاذ، فرحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.

 

الكاتب: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري

            باحث وكاتب أزهري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *