الجمعة , 9 ديسمبر 2022

علي زين العابدين الأزهري يكتب : وأنا تعلقتُ بالكتابة

وأنا تعلقتُ بالكتابة

 

من حينٍ لآخر تُحدثني نفسي بالتوقفِ عن  كلّ ما أكتبُ؛ إذ أتعبتُ قلمي، وأجهدتُ فِكري، وأكثرتُ وَرقي، وأشغلتُ قلبي .. ثم تَظهرُ آلامٌ تُجدد عزيمتي، فأكتبُ ما في قلبي على ورقي .. وسُرعان ما تتولد أفكارٌ دفينةٌ، وتَخرجُ للوجودِ في حُلةٍ قَشيبة، وتتفجرُ الأفكار، وتنبع الكلماتُ .. فكم مِن ألمٍ كان سبباً في تحريك قلم؟!

لا أدري ما الذي دفعني إلى الكتابة؟ وكيف كانت بداية الكتابة عندي؟ وهل هناك أسباب تجعلني أواصل وأسير في طريق الكتابة؟

قد تكون هذه الأسئلة سهلة وبديهية عند البعض إلا أنني لا أجد جواباً لها، وقد ندم من قبلي بلدينا الأستاذ الكبير أنيس منصور على اختياره صناعة الكتابة في بعض مقالاته، فقال: “والله العظيم غلطان وندمان وتعبان وقرفان. لماذا؟ لأنني وأنه وأننا اخترنا صناعة الكتابة، فهل كان في الإمكان احتراف حرفة أخرى؟ نحن الآن نقول: كان من الممكن، ولكن انتهى كل شيء ولا مجال للاختيار. اخترنا الكتابة أو اختارتنا الكتابة. واللي كان كان“.

والذي أعرفه من حالي أنني أعشق الكتابة وأشتاق لها دوماً، وأفزع لها في غالب أوقاتي، فأنتظر الانتهاء من أعمالي الخارجية لأرجع إلى بيتي وأمارس كتاباتي في لهفة وشغف، وأتمنى الخلاص من المضايقات اليومية أو الانشغالات الحياتية لأتفرغ لها، وأشعر كما يشعر غيري من العاشقين لها والمولعين بها بأنها الأمان عند حدوث ما يعكر صفو أذهاننا.

يعدّ الكاتب شخصاً فريداً متميزاً بصفات لا توجد عند غيره، فهو الوحيد الذي يشعر الجميع بحاجة المجتمع له، فيقوم بالتعبير عما في قلوب الناس، ويمكنه الأخذ بأيدي غيره لمحاسن الأمور وأحاسن الأخلاق، ويستطيع تغيير وجهات النظر لقضية من القضايا من خلال كتاباته وتوجيه المجتمع، فهو يكتب المشاعر، ويعبر عن الحب، ويرسم الجمال والأحلام، ويحفز المحبطين، ويبث الأمل في قلوب اليائسين.

وتعد الكتابة من أكثر المهن المسببة للأزمات، ويظهر ذلك من خلال معرفتك بأنّ سرَّ قوة الكاتب تكمن في إحياء النقد واتخاذه منهجاً عاماً في حياته؛ لأن نظرته للأمور نظرة فكر وعمق وفحص وتدقيق، وليست نظرة شخصية، أو نظرة يتحكم فيها الهوى، أو حب السيطرة على الآخرين، وهنا تأتيه الأوجاع، وكذا تظهر من خلالها متلازمة (توجيه الرسالة) وأعني بها أن كثيراً مِمن حولك يظنون أنك توجه كتابتك لنقدهم أو للنيل منهم، والحال أن الكاتب حينما يكتب فهو يعبر عن أحاسيس ومشاعر المجتمع بأسره وليس أفراداً معينين، فهو يكتب كتابته ويوجهها للعالم كله، نعم قد يمر بمواقف يتخذها سبيلاً لكتابة مقال، أو للتنبيه على أمر، وهو ما بينه أستاذنا الكاتب الكبير د. أحمد خالد توفيق في قوله: ” إن الحياة حبلى بالإلهام … النماذج الغريبة تطفو على السطح وتثب في وجهك، وتتباين الأدباء في درجة حساسيتهم لالتقاط هذه النماذج” .

لا تحمل نفسك على الكتابة حملاً، ويكفيك منها أن ترى واقع الناس في بيئتك، وتفكر في حالهم، وتكتبه، ثم تنشره، فالكتابة: رؤية، فتفكير، فقلم، فنشر.

 وينبغي التنبه أنّ الغرض من الكتابة أحياناً ليس إيصال فكرة أو تحقيق هدف، بل الرغبة في التخلص من الأوجاع والأحزان، ولا تظننّ أيها الكاتب: أنك كنت قادراً على تحمل كثير من عقباتك التي مررتَ بها، ولن تكون كذلك في المستقبل قادراً على تجاوز محنك إلا بالكتابة والفزع إليها والاستعانة بها ما دمت اخترتَ الكتابة مهنة لك.

 والسرّ الذي يغيب عن الكثير أنه رغم كثرة المضايقات وتجدد الأزمات فإنك تهرع وتفزع إلى الكتابة وتستعين بها على تجاوز كل المحن، فترصد من خلالها الأفعال الدنيئة، وتُصارع بها الكارهين والحاقدين، وهي أعظم سلاح تمتلكه، فكتابة مقال في جريدة كافٍ لزجرهم وصدهم، والكتابة تُذهب عنك الأسى والأذى، وأشدّ من ذلك ما إذا كنتَ مولعاً بكتابة ذكرياتك ويومياتك، فيكون التاريخ شاهداً على المواقف والذكريات، والتاريخُ لا ينسى، ولا يرحم أحداً.

ستبقى الكتابة صوتك عبر الأيام، ولن تموت معها بموتك؛ لأنها كفيلة بحياتك بعد موتك، وبقاءُ كلماتك وعباراتك وتلقي الناس لها بالحفاوة والقبول هو أكبر أثر لك، وعلى كلٍ سواء اخترتُ الكتابة أو اختارتني الكتابة فأنا سعيدٌ ومسرورٌ بها.

 

الكاتب: د. علي زين العابدين الحسيني الأزهري

باحث وكاتب ومؤلف أزهري

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *