الأحد , 25 فبراير 2024
فضفضة مخ: جري سالم الجري: الموسيقى الحزينة مفيدة للنفسية

فضفضة مخ: جري سالم الجري: الموسيقى الحزينة مفيدة للنفسية

(حرااام!) سأريح أفئدت الكل، مستحيل الموسيقى 《بأساسها》 تكون حرام لأنها هي كل صوت مرتب يعطي شعور محدد.

فهي تشمل كل ما يمكن تخيله، من آلات طبيعية كالحناجر أو غيرها من صنع الإنسان، ولن أتدخل هنا لتفاصيل الشرعية، فلست مفتياً. ولكني سأفتي بأن العلم نور، لا ينرحم منه إلا من ظلم نفسه.

الدماغ يشتغل على أيونات كهربائية، بلسعاتها يتم تحديد مسار كل كيميائيات المخ؛ فعلى حسب ترددات الموجوات الكهرومغناطيسية بمخاخنا يتكون مزاجنا أو بالأحرى يتم تشكيل الأمزجة الكيميائية بأدمغتنا و يتعدل “نوعية” نبض القلب و أفرازات الأمعاء الغليظة. فبختصار شديد أجسامنا هي كلها مجرد ميدان فيه نشاط كهرو-كيميائي. فلو تسمع أغنية مكسيكية (فرفوشة) سيكون مزاجك فرح و مرح، والعكس صحيح. ولكن لماذا الناس تحترم سمفونيت بيتهوفين الحزينة، ثم تسخر من الأغاني الشعبية المبهجة؟ لأن الحزن حلو.

قد يستغرب القارئ مدح صفة الحزن بالحلاوة، رغم انه شعور ينفر منه الناس، ولكن الطب النفسي من مختلف الأكادميات أثبت بأن سماع الموسيقى الحزينة يحسن من الحالة النفسية (سواء أناشيد أو آلات).

الجامعة الحرة في برلين جمعت ٧٧٢ شخص لتجربة سماع موسيقى الحزن. %٧٦ منهم شعروا بحنين للماضي (نوستالجيا)، أما الشعور بالسلام فلقد شعر به %٥٧.٥. كما قامت الباحثة في الطب ليلا تورف بتأكيد أن الموسيقى الحزينة تمنح الإنسان شعورا بالإتساق في عواطفه. ولكن بحث ديفيد هورون من جامعة أوهايو في أمريكا أكد أمراً فسيولوجياً. وهو إفراز أدمغتنا لهرمون (برولاكتين) أثناء الموسيقى الحزينة، الظريف بأنه ذات الهرمون الذي ينطلق أثناء الجنس و أثناء تناول الطعام، فبتأكيد للموسيقى الحزينة حلاوة.

وهو نفس الهرمون الذي يُفرز بدماغ الأم لما ترضع أطفالها، فهو هرمون يعطينا شعور بالإلفة و الحميمة، سواء كانت من علاقة بين الأبوين أو بين الأم بضناها. لذلك صرح ديفيد “لهذا السبب الموسيقى الحزينة تريح أنفسنا.”. ولكن هل الناس (الطبيعية) تدمن الموسيقى الحزينة؟

الأحصائيات تشير بأن الناس يميلون للصخب والحركة والفرح والمرح أكثر من “ثقل” الموسيقى الحزينة ذات الهيبة والوقار، ولكن هذه الإحصائية تنقلب رأساً على عقب حينما يكونون الناس يريدون الشعور بالصفاء ، ولكن كل هذا لا يعني بأن الإكثار من الموسيقى الحزينة سيحسن الحالة النفسية، بل سيكون العكس، فهي دواء، ولكل حالة مقدار جرعتها.

حسب كتابات البروفسيور ڤان دي تول من جامعة دي-مونتفورت، السماع للموسيقى الحزينة ينفعنا في التخلص من النكران والكبت لآلامنا النفسية، أو بالعامية “تخلينا نفضفض” جمالها يكمن بأنها تقول لنا بصدق ” نعم…الحياة فيها لحظات ألم وأنت لست مريض حينما تحس بمرارة الدنيا” لأن “عبوره” منا يكون من خلال تعبيرنا الفني له. ولكن هل ستنفع أخلاقي؟

الوجع الذي نتجرعه بسحبة الكمان أو الربابة أو في آهات المنشدين أو أهازيج القساوس سيحقق لنا أربع أمور مهمة:

١.الشعور بأن الآخرين يحزنون مثلنا؛ مما يحثنا على التعاطف معهم، و لترق سلوكياتنا وأقوالنا ( الإرهابي لا يسمع للموسيقى ).

٢. تشاركنا الحزن مع بعض، سيجعلنا نطمئن بأننا لسنا “غير طبيعين”، بل الكل قد يتعرض للحزن.

٣. أنجح طريقة لتنفيس المشاعر هي الفن، ففنون الحزن تستنفذ الحزن، كمثل الذي يستنفذ الضحك بتكرير النكتة نفسها.

٤. تمنحنا شعورا بالرضا بحالة حزننا، مما يجعل أحزاننا حالة مؤقتة؛ فأكبر سبب تأخر إنصرافها هو كبتها.

سأختم بنتيجة آخر تجربة حيث سمع مجموعة من الناس لموسيقى حزينة لمدة ٩٠ دقيقة، مما سبب لهم البكاء، حيث عبروا بعدها بشعور غريب بالهناء والنقاء.

مما يصفه علماء النفس بالعلاج (الكثارتيكي)

عموما، يسعدني القول بأن كل هذه الدراسات تجعلني أبتسم من الشدغ الأيمين إلى الأيسر، وأفرك كفاي متشفياً، وأنا أستمر في حربي الشرسة ضد رواد التنمية البشرية، الذين يوهمون أنفسهم و أتباعهم بأن العالم مجرد مسرح كوميديا؛ فأقول لهم بمقام النهاود:

لمسرح الدنيا مكاناً يسع البيانو الألماني… والكمان الفرنسي…والربابة المنغولية…والناي المصري..و القانون التركي..و الموشحات الأندلسية…و البوق الروماني…و أوتار الكوتو اليابانية ذات الشجون…. و صيحات البربريات في صحاري المغرب…و آهات المنشدين بالخليج…..و أهازيج الهنود الحمر في أمريكا…فالبشرية أجمعت أن الحزن حق!

الكاتب جري سالم الجري.

المصادر:

١. https://goo.gl/PDibBv

٢. https://goo.gl/tp5UAg

٣. https://goo.gl/1964Lm

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *