الإثنين , 26 فبراير 2024
فضفضة مخ: جري سالم الجري: الموسيقى الحزينة مفيدة للنفسية

فضفضة مخ: جري سالم الجري: فن الردود المفحمة

(ماء الوجه-الكرامة-الهيبة-الغرور)

كلمات تخطر ببالنا لما يقاطع احدهم حديثنا في المجالس، أو لما يصححون لنا معلومة خاطئة قلناها سواء في محاضرة أمام الملأ، ام بتغريدة من حساب وهمي بتويتر لا يعرف احد هويتنا فيه! هذه المواقف قد يكون فيها ألم، لأن الإنسان رهينة تصور الآخرين له. فلا قدر لأسمك إلا بإدراك الآخرين له، و لا توجد صفة إجتماعية لك إلا بمجتمع يصفك بها!

فتصورنا لذاتنا يكون مهددا بالخطر إذا تحطمت “الوجاهة” الإجتماعية في هذه المقالة سأسرد مواقف، سعى بها مشاغبون خدش شخصية أناس مشاهير، فكيف سيعكسون الهجمة لصالحهم؟ هنا فن “قصف الجبهة”!

كان وزير بريطانيا آنذاك هو الرجل السمين تشرشل، وكان في تلك الفترة أشهر أدباء الإنجليز هو برنارد شو النحيف، ولحسن الصدف، إجتمعا في حفلٍ يضم جمعاً غفيراً.

فقال تشرشل لشو متهكماً 《من يراك يا شو يظن بأن بريطانيا في أزمة غذاء》

فرد شو على الفور《ومن يراك يعرف سبب الأزمة》.

لم يكن هدف تشرتشل هو المداعبة، بل تعزيز النظرة العامة، بأن الشعراء يعيشون بعالم وهمي، ينسيهم صحتهم، كدلالة على قلة واقعية تفكيرهم، ولكنه تلقى رد يجلي واقع جشع الوزراء ببريطانية الرأسمية.

سأل أحدهم بشار بن برد الشاعر الأعمى 《ما أعمى اللهُ رجلا إلا عوضه، فبماذا عوضك؟ 》.

فرد عليه بلا تردد:《بأن لا أرى أمثالك》.

نرى من تركيبة سؤال ذاك الشخص انه أراد إتهام بشاراً بأنه مسخوطٌ عليه، فلم يقل ( ما أبتلى الله عبداً بأخذ بصره إلا وعوضه) ولكنه قال (أعمى)، و من ثم دفن هذه الإساءة بتسائل يبدو بأنه بريئاً وهو عن بديل نعمة البصر التي لا تعوض؛ ناهيك أن السائل يعلم بأن أشعار بشار فيها تشاؤم فكيف سيكسر شخصيته الغير متفائلة؟ فسيُتعبه التصنع بالإيجابية لكي يظهر أمام الناس بأن كلام ذاك الشخص لم يجرحه، ولكن بشار رد بطريقة توضح للناس مدى عظمة نعمة عدم النظر في وجه الأشخاص البغضاء من أمثاله، فجعل ذاك السائل يخسر أهم مالديه، ألا وهو القبول الإجتماعي.

كما ان الإنجليز يعظمون شعرائهم، فحتى العرب يمنحون الشعراء عظيم الشأن، ومن أعظم شعرائنا، بل قد يكون هو الأعظم حسب رأي سعادة الدكتور محمد حسان الطيان، المتنبي. رغم ريادته للشعر العربي، لم يكن بمنأى عن المسيئين في زمانه؛ أسلاف المسيئين في صناديق التعاليق بمواقع التواصل الاجتماعي. حينما أقبل المتنبي للمجلس أراد رجل إحراجه.

فقال له أمام الناس 《رأيتك من بعيد، فظننتك إمرأة》

فجائه الصاروخ المضاد،《وأنا رأيتك من بعيد؛ فظننتك رجلًا》

لسوء حظ المسيء، الذي يبدو بأنه أغضب والدته ذاك اليوم، بأن المتنبي لم يكن من الرحومين، بل هو أشرس الألسن التي نطقت العربية، فذاك المسيء يدرك بأن الناس لن تعفيه إن أساء لشاعرهم بفاحشة، فإختار تهوين السب بقوله 《لما رأيتك “من بعيد”》 بمعنى انه من يراك من قريب سيدرك ملامح رجولتك، فكانت مسبته فيها شيء من التهوين، ولكن المتبني حرق كل رجولة ملامح ذاك المسيء بقوله 《وأنا رأيتك من بعيد؛ فظننتك رجلا》.

كانت مقدمة رد المتنبي تحتوي على كلمة “من بعيد” فأعطت بالبداية إيحاءا بأن فيها تهوين، ليدخل المستمع بحالة من الإطمئنان؛ بأن الرد سيكون هين؛ لينطفئ الموضوع بأكمله على برود، ولكن تتمة العبارة حملة رأس القذية المتفجر.

أختم بقول الشافعي:

يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ

فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا.

يزيدُ سفاهة ً فأزيدُ حلماً

كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيبا.

الكاتب: جري سالم الجري.

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *