الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022

فضفضة مخ: جري سالم الجري: هل الملحد منطقي؟

لن أتكلم بمنطلق المناظرة أو نُصرة جانب على الآخر، سأكتفي بتوضيح موقف ثلاثة أشخاص. وهم الثلاثة الذين يدخلون كل المحاورات مع الدينيين واللادينيين. ببساطة يقف أمام المتدين غير المتدين الذي لا يؤمن بأي شيء..ولكن من هو صاحب الشخصية الثالثة؟ الثالث هو الأكثر إستسلاماً للمنطق، فهو اللاأدري، الذي لا يدري ما إن كان هنالك غيب أم لا. فهو لا يجزم بالقطع على عدم وجود الغيبيات نهائيا! لأنه يعترف بأنه عاجز تماماً على إثبات عدم وجود الغيبيات بسبب غياب الدليل بالقطع على عدمها؛ فهو حتما أكثر منطقية ممن كان موقفه الملحد. ولكن هل اللاأدري أصوب من المؤمن؟

هكذا موضوع شجاع وجريء، أطرحه بثقة في صحافتنا الكويتية التي تتسم بالحرية الصحفية التي تصل للمرتبة الخامسة عربياً، و لعل مقالتي ستجعلنا نكون فوق حرية تونس ولبنان! اللاأدري يتمتع بعقلية أشبه بعقلية الرياضي الذي يحتكم بمعادلة منصرمة، توصله لنتيجة لا مفر منها، ولا يستطيع رؤية أي شيء خارج إطارها. أما المؤمن فهو يملك يقيناً فوق المنطق. فلدى المؤمن نظرة ما ورائيه، ترنو للتطلع ليس لسلاسل الأسباب فحسب، بل لحكمة مسبب الأسباب. فالمؤمن يعلم ان العدم لا يمكن له ان يوجد نفسه بنفسه، ولو إستطاع الوجود خلق نفسه من العدم….بالعدم، فأنى له توفير إحتمالات ذكية تسري فيها نُظم المكنات الفيزيائية التي تتجانس مع بعضها بإحكامٍ تامة من الذرة إلى المجرة. فلو كنا قد رأينا اللاأدري أكثر منطقية من الملحد، فالمؤمن له بصيرة فوق حدود المنطق البشري. ولكن هل هذا كافي؟

قطعاً، الوجود لا يوجد نفسه. وقطعاً الوجود يضطر لذكاء فوقه. و أما العظمة التي يقشعر لها البدن، أن لا ذكاء بلا ذات يكون عندها إراده

ة، فبالإرادة تصير نقطة النهاية لكل إحتمال. والآن، لو جادل أحد قائلا بأنه قد يكون للصدفة قدرةً على خلق ذكاءاً ما، فسيكون الرد الفوري على هذا السؤال هو بسؤال آخر يهدمه، “من الذي أوجد إحتمال وقوع الإحتمالات إبتداءاً؟” فلابد أن يكون هنالك ذكاءاً فوق كل أنظمة الوجود…وذلك الذكاء لا ينثق إلا من ذات…فهل أنا المسلم قلت ذلك أولا أم سبقني أرسطو؟

لم يكن أرسطو ذلك العملاق بعلم المنطق والفلسفة لاأدرياً كما هي الموضة الحالية لمحبي الثقافة النخبوية؛ ولم يكن ملحداً كذلك، بل وصف الإله بكل بساطة “بالمُحرك الأول”، و حاجج بهذا الوصف كل السفسطائيين الذين نادوا بعدم وجود الإله والذين أدعو شركية الإله، أو بتعدد الآله. فلقد أكد أرسطو بأن الوجود قد إحتاج لنقطة بداية. وهذه البداية إحتاجت مسرحاً فارغاً من الإحتمالات. وأخيراً، يلزم الوجود قبل بدايته، أن يُدفع للتكون بطريقة ذكية وإلا فسيكون مجرد طاقة عشوائية عديمة المعنى. ولا للذكاء وجوداً بلا ذات تريد إيجاده، فالإرادة هي المفاعل الوحيد للمشيئة.

فكما نقول ما شاء الله أمام كل أمر يُشيئهُ الله بمشيئته، ففي داخل الأشياء آثار من صفات الذات التي شيئتها بأمرها، وما هي هذه الذات العلية إلا ذات الله عز وجل. فسبحان الله العظيم.

الكاتب: جري سالم الجري

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *