الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022

محفوظ راشد الشبلي يكتب : عالَم تَكميم الأفوَاه..

عالَم تَكميم الأفوَاه..

يعتذر بجهلِهِ عن إبصارَهُ لدربٍ يجهلُها وهو يسير فيها بُكرةً وأصيلا، ولا يَعِي مسألة وهو الذي يُعلِّمُهَا طُلّابهُ، يَلتوي على قول الحق والباطلُ يتبعه.

يَفعل فِعلتهُ المحظورة وعند ضجيج السؤال بمُرتكبهَا يَصمُت وكأنّه لم يَسمع ويُغمِض وكأنّه لَم يَرى ويَجهل وكأنّه لَم يَفعل ويَرمِي بها بريئًا وهو يَنظِرُهُ، طَمَسه العَنَتَ فأعمَى بصره عن الحق والحقيقة يَعلمُهَا ويَكتِمُهَا.

يمتنع المسير عن مسألة اليوم حُجتًا بأن غدًا تربطهُ مسألة، كيف شاءت تلك التي هي غدًا ولم تشأ هذه التي هي اليوم، تَنّشقُّ الأرضُ لتبتلعهُ اليوم وتعودُ غدًا لسيرتهَا لتقذِفهُ.

تتجاهل تلك وتمتنع عن هذه وتعتذر عن أخرى، العاقل يُخفيها قَسرًا والمجنون ينطِقُهَا جَهرًا والبصبَصةُ وُأِدتْ عند انبلاجهَا والمرتجى ينتظر والمحتاج يحتظرُ والشاهِدُ يُسجن والطريق يُسدّ ولا تَمُتُّ بعض الصِلاتُ بِصِلاتِها ولا تُوصَلُ بعض الوَصلات بوَصلاتِها وتُحاكُ الحَبكات في الظُلمة وتختلطُ الحساباتُ في الدُلجةَ والعذرُ ذَنبًا والذنبُ قُبحًا والفَمُ مُكَمّم والحقيقةُ طُمِست والأعذارُ واهيتًا وتلكَ ضاعت في تلك والأخرى اختلطت في أُخرى وآخِرُهَا ضاع في أولِهَا وأولُهَا مات في أخرِهَا؟

هذا هو واقع البعض مِمن وَأَدُوا الحقيقة قبل ولادتها، كَمّمُوا الأفواه ودَنّسوهَا في ظُلمة الخفاء ووقفوا عند باب الكرامة يدّعونها والكرامة ليس لها صلة بهم ولا فيهم.

في زمانُنا غُلِبَ المغلوبُ على أمرِة وبات يشكوا من وطأة السيف المسلّط على رقبتِهِ ولا أحد يسمع شكواه سوى خالقهُ، بينما الغالبُ بسُلطَتِهِ يصولُ ويجولُ مُدّعيًا النزاهة في زمان تَغطرس فيهِ الجاهلُ بسُلطتِهِ وزُجَّ بالعالِم في غيابة جُبَّ الحقيقة المجهولة مصدرُهَا وما بان منها في وَضَح النهار هو فقط مدى تأثِيرُها.

إنه عالَم تَكميمُ الأفواه كي تَبقى الحقيقة مجهولة وراقِصُهَا يعيثُ فسادًا في الأرض وحابِكُهَا معصومٌ بِحُكم القانون والمظلوم ماتَ في سجنِهِ والظالمُ يرقصُ فوق جُثث الحقيقة والشمسُ غَربت عن المُتعرِّي فأخفتهُ والظلامُ خيّم على المنظور فأخفاهُ وباتت الأعذارُ واهيتًا والأفواهُ فاغرتًا والأبصارُ شاخصتًا وعلى مَن تتلو زبورك يا داوود.

الكاتب: محفوظ راشد الشبلي

@mahfoodalshibli

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *