الجمعة , 19 أبريل 2024

محفوظ راشد الشبلي يكتب : لا تستبدل قومًا غير قومُك.

لا تستبدل قومًا غير قومُك..

بِمُجرّد أن ينتقل الإنسان لمسكن أو مكان للعيش فيه، فإنّه يَفقد أو بالأحرى ينسى وربما يتناسى الأرض التي نشأ بها وعاش عليها وتربى فيها وبَصُرت عيناه النور فيها وتلطّخ بطينتها وسَبختْهَا وكأنّه انسلخ سلخًا منها وخاصة إن وجد بها الذي فقده في أرضه الأم، سواء من رغد العيش أو تقبّل لأفكاره المَنفية في مجتمعه أو أي فُسحةٍ وَجَدها في رحابة تلك الأرض وقد عانا من ضيقها في أرضه.

إلا أنه غفل أو ربما تغافل عن شيء مُهم في جانبه ذلك، وهو فِطرته في طابع حياته الّتي تَطبّع عليها نظير فطرة القوم الذين استحدثهم في حياته، فهم غير قومه الذين يعرفهم ويعرفوهُ وجالسهم وجالسوهُ وتَطبّعهم وتَطبّعوهُ وفهمهم وفهموه.

فهُناك عادات وتقاليد وسلوكيّات غير التي أَلفهَا وعايشهَا، فهم وإن قَبلوه بِفطرتهُ وبِطيب سلوك ما وجدوا منه، إلا أنهم سيعتبرونه دخيل عليهم في كل حال من الأحوال، فَكمَا له طابع وسلوكيّات اكتسبها من بيئته التي أَلَفهَا، كذلك فهم لهم بيئتهم وطابعهم وسلوكهم الخاص بهم الذي أَلَفُوه في مُجتمعهم، وتبقى بعض الجزئيات الصغيرة غير مُتطابقة بينهم من جانبه مهما حاول الإنسان مُطابقتَها مع غيره وتختلف باختلافه معهم وفيهم،  ويبقى الإنسان بطبيعته غير كامل والكمال لله وحده.

ويتّضح ذلك جليًّا عند زَلْ قدمه في خطأ ما أو عند اختلافه في مِحور جزئي من مَحاور الحياة الكثيرة بينهم، عندها ستتضح رؤيا ما كان مدفون ومُخبأ في خبايا النفس وتُبان حَميّتهم ضدّه، وربما سيتخلّون عنه في موقفه ذلك وهو بحاجة لهم في صَعب أمره الذي ألمّ به للوقوف معه وبِجانبه، وعند التفاته حوله سيجد نفسه مُعرّى من لفيف بني جِلدته وأهله وناسه الأصليين، ورُبما سينهَار وتَنهمر دموعه بحنينهُ لِفزعَاتهم عند اشتداد الأمور في حليك الظلام وليس في ضيق النفس حينها فُسحة للتحزّم بغيرهم.

قال رجل لزوجته التي طلّقها لو أنكِ تتخلّين عن أهلكِ وتلجئين لي لرجعنا زوجين، قالت له أَهلِي عَزوتي في الدُنيا ولِمن ألجئ إن تخليت أنتَ عنّي مُستقبلًا كَما تَخلِيكَ عنّي الآن، فهو دليل لمرجعها لأصلها وناسها دون غيرهم عندما يدور الزمان ضدها.

وقد ثبت عن حب النبي صلى الله عليه وسلم لِمكّة وهي موطنه وأصله وبهَا ناسه وأهله وأقاربه وذويه، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمكّة: ما أطيبك من بلد، وأحبك إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ، رواه الترمذي وصحّحه الألباني في صحيح الجامع.

فحينما يَدور الزمان دورته البئيسة في وجه الإنسان يُدرك حينها أنه مهمَا طال الزمان أو قَصِر فبالنسبة لغير بني جِلدته وقومه هو دخيل عليهم وغريب بينهم، لذا فاسكن مع قومٍ غير قومُكَ وكُنَّ لهم وافر الاحترام والتقدير ولكن ابقي صِلتُكَ وفخرُكَ واعتزازك بأهلك وناسك وذويك، وبتربة أرضك التي وُلدت فيها وترعرعتَ عليها وتَشبّث بقومك الأصليين فهم وإن اختلفت معهم راضوك وإن سقطت شالوك وإن زللت أنصفوك ومهما طال الزمان أو قَصر كانوا لك عصاك التي لن تعصيك.

الكاتب: محفوظ راشد الشبلي.

تويتر

شاهد أيضاً

علي الرندي

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر

من الديره : علي الرندي: المواطن وجشع التاجر بعيدا عن عالم السياسة الذي أرهق عقولنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *