الخميس , 30 مايو 2024
اسلو
اسلو

من أوسلو: محمد عبدالمجيد: الوطن من الخارج أكبر!

كل دولة لها خصوم في الخارج تفرز تلقائيا طابورها الخامس الذي تلتقي مصالحه مع أعداء الخارج فتتكون جبهة موحدة حتى لو لم يكن هناك لقاء ظاهر أو حوار مباشر أو دعم مبطن أو تعاطف ضمني.

وكل جماعة أو طائفة تكبر أو تتعاظم أو تتعالى مشاعر أفرادها طائفيا أو مذهبيا أو دينيا أو ايديولوجياً تلتقطها قرون استشعار من قوى خارجية ترى أنها قد تكون امتداداً لها في الحاضر أو خلايا نائمة لوقت لاحق عندما يحين موعد التعاون.

ليس هناك استثناء وتاريخ الغزوات والاستعمار والاحتلال والاستيطان يؤكد على هذه الحقيقة، فيتقدم الطالبانيون الأفغان في مدن الحدود الباكستانية ليجدوا في أحضانهم نظراءهم على الجانب الآخر، ويصرخ أئمة في قُم الإيرانية ليصغى إليهم مصلون، ليس كل المصلين، في النجف الأشرف، وتزعم الحكومة اليمنية أنها ستقضي على تمرد شيعي فيظهر مئة موقع سني يبرر جرائم السلطة في صنعاء، ويخرب الاخوان المسلمون طوال عام كامل الحياة في مصر فينبض قلب حزب العدالة والتنمية في تركيا الأردوغانية تعاطفا مع الباطل الاخواني في مصر، وتخرج مظاهرة في العقبة الأردنية من الامتداد الروحي للجماعة في المملكة الهاشمية.

الوطن يصغر كلما كبرت جماعة فيه، ويتقزم إذا تطرفت، وتبهت صورة قومه حين تتناثر على أرضه قوميات وطوائف ومذاهب وعقائد وجبهات، ليختفي بعد ردح من الزمن خلف كل جماعة، ففي لبنان مثلا يختفي الأرز خلف سبعة عشر زعيماً، فإذا أتى الغريب لا يحتاج حينئذٍ إلى التشرف باستئذان القاعد في قصر بعبدا، ولعلنا نذكر كونداليس رايس وكيف هبطت طائرتها الأمريكية في مطار بيروت وتوجهت إلى الزعماء في دلالة إلى أن سيد القصر ليس إلا اختياراً سورياً حتى يطل الأسد، أب أو ابن بعده، من شرفة قصره الدمشقي على رعايا الشام في بيروت.

الغريب أن صورة الوطن التي بهتت في الداخل تشرق في المهجر، ففي خضم التصفية على الهوية في بلاد الرافدين، والرعب الذي يزلزل كيان العراقي وهو ينتقل من منطقة إلى أخرى، و من شارع إلى ميدان، والشك الذي يرسم علامات الفزع على الوجوه وكأن الآخر يستعد لجزّ رقبة ابن بلده، يكون هناك في مكان ما بعيداً عن العراق ثلة من الأصدقاء، شيعي وسني وكردي وتركماني ومسيحي وصابئي يتسامرون في شقة أحدهم، ويذرفون الدموع المهجرية وهم يستمعون لناظم الغزالي، ويحكي كل واحد عن طفولة حذف منها كل ما يشير إلى الطائفة أو الدين أو المذهب، ثم يتعانقون في نهاية السهرة، ويعود كل منهم إلى بيته، فإذا اتصل بأهله في صباح اليوم التالي رسموا له على الأثير دماء وجروحاً وأشلاء ومشاعر كراهية حاول أن ينساها في سهرة اليوم السابق فأعاد له أهله رسمها من جديد.

في الغربة نحب الوطن، ونلغي من ماضينا كل السلبيات التي علقت به، ونقطع لسان من يسيء إليه، ونتباهى به، ونبرر سلبياته، ونتفاخر بإيجابياته، ونصل في العشق إلى جعله مركز الكون حتى لو كان قائما على بضعة مئات من الكيلومترات.

وفي الوطن يقوم أهلنا بتوسعة المسافة بينهم وبينه، وقد لا تصيبهم الدهشة وهم يشاهدون ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان يتسابقون في إهانته، فمنهم من يرفض الوقوف تحية للنشيد الوطني، ومنهم من يحتقر العلم بألوانه الزاهية التي تخفق في القلب قبل أن ترتفع فوق السارية، ومنهم من يرى جنسيته عقيدته فيلغي الآخرين الذين لا يدينون بعقيدته.

الطائفية والمذهبية والجبهوية الدينية حالات متعددة من الكراهية حتى لو أقسم أصحابها بأن إيمانهم ممهور برضا السماء، لذا فالعدو يعثر بسهولة على متعاونين من بين الطوائف المذهبية والدينية لأن الضمير الديني على أهبة الاستعداد لتقديم تبريرات في لي عنق الآيات المقدسة.

الطابور الخامس غالبا ما يكون مواطنين تحركوا قليلا أو كثيرا ناحية مشاعر الطائفية أو الجماعة أو الأقلية العرقية، لذا كان أكبر مشهد تحقيري يؤكد أن الوطن والطائفية نقيضان لا يلتقيان إلا لـِـماماً صورة مواطنين مصريين تعلموا على أيدي جواسيس نائمين أن يدوسوا بأحذيتهم القذرة على عــَـلـَـم بلادهم.

التيارات الدينية في العالم العربي لا تختلف عن جحافل الغزو ، وفي أقل من عام من حُكم الإخوان كانت تل أبيب ترقص فرحة بمرسيها، وواشنطون تسترخي لأن رجالها حلوا محل جمال عبد الناصر في القصور الجمهورية، وبؤر الإرهاب تناثرت على رمل سيناء، وميليشيات مسلحة وملثمة تستعرض عضلاتها في كل مكان، ورئيس متخلف عقلياً كلما زار بلداً هبط بالمصريين درجة وترك انطباعا أن ديمقراطية صندوق الانتخاب تعني اختيار الأجهل.

المهاجرون الذين يشاهدون وطنهم من الخارج يعانون غربة مواطنيهم في الداخل ، والسوري والعراقي واليمني والمصري والليبي والسوداني والتونسي الهائمون على وجوههم في شوارع باريس وجنيف واستوكهولم وروما وسيدني وهيوستون وبرلين وأثينا وكوبنهاجن يعيشون عذابات الوطن مضاعفة حتى لو لم يكن من بينها أمن وسكن ورغد العيش وأسرة وأولاد وصحة وعلاج و ….

اللصوص المحترفون يسرقون من المواطنين كتبهم المقدسة قبل أن يستولوا على الوطن، ويزعمون أن ملكية الأرض حصلوا عليها بموافقة السماء، فإذا وصل الكذب والتزوير والتزييف إلى أقصى المدى أقسموا أن الله شاهد على أعمالهم ويخفون حقيقة أن رب الكون العظيم شاهد على جرائمم.

لو أخفى كل العرب خلف ظهورهم ولمدة عامين فقط المذهب والدين والطائفة والعقيدة والحزب والفرقة والجبهة والجماعة لأسقاهم الله ماءً غدقاً، ورزقهم من حيث لا يحتسبون.

كلما حدثني عربي عن تقواه وإيمانه وتمسكه بعقيدته رأيت بوضوح دماءً تسيل من أنيابه.

العقيدة الوحيدة التي تقف مدافعة عن الوطن والمواطنين هي الصمت ، وما عدا ذلك فمزايدة دينية قبل قطع رقاب خصومهم. 

 

بقلم: محمد عبد المجيد

طائر الشمال

شاهد أيضاً

من أوسلو: محمد عبدالمجيد: صاحب السمو الأمير و.. حديث عن المرض!

                                         صاحب السمو الأمير و.. حديث عن المرض!   الرجال العظماء لا يخجلون من الحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *