الأربعاء , 24 أبريل 2024

من أوسلو: محمد عبدالمجيد: تلك هي الكويت!

دولة صغيرة محشورة بين كبار في البر والبحر، إذا غضب جار كبير مسّتها رياح الغضب من قريب أو من بعيد؛ لكنها صنعت واحة من الديمقراطية فوضعت بصماتها على المنطقة برمتها.

دولة صغيرة إذا قام انقلاب عسكري أو عائلي بالقرب منها، فهي لا تتأثر، بل يمكن أن تفاجيء الجميع بأن أركان الحكم كله يركبون طائرة واحدة ويتوجهون إلى عرس أو عزاء أو اجتماع خليجي دون أن تتحرك دبابة من موقعها أو تُعلـَـن حالة الطواريء حتى يعود المسؤولون إلى ديرتهم سالمين.

دولة صغيرة لا تعرف الانتقام، ومساحة غضبها صغيرة وترى من خلالها ترقب التسامح لكي يعود فورا إلى القلوب، حتى في أيام النار التي أحرقت النفط لم تصل إلى الصدور عندما تعاونت جاليات وافدة مع أشاوس نظام البغي العراقي.

دولة صغيرة تدهشك في مواقفها فهي تفصل بين الحق وبين العواطف، وإذا تعاطف أكثر الفلسطينيين مع شيطان بغداد إبان الغزو الهمجي الصدّامي، فالمواقف الكويتية ثابتة تُعلّم الجميع أن السلطة والمال أخلاق قبل أي شيء آخر.

دولة صغيرة لا يرتعش أبناؤها من الأسرة الحاكمة، ولا يفتتحون ويختتمون أحاديثهم بالمديح والتقرب والتزلف كما يحدث في معظم بلاد العالم الثالث المصاب بداء الخوف من القصر.

دولة صغيرة تحترم القانون الدولي فلا تعتدي، ولا تمارس الخبث في مساندة أطراف أي نزاع، ولا تُهرّب أسلحة لقتلة، ولا تعقد مفاوضات مع ميليشيات متقاتلة ومتحاربة.

دولة صغيرة في خضم أزماتها تمارس دورها الثقافي والريادي فلا تجد بيتا عربيا في الوطن أو في المهجر إلا وفيه مطبوعات كويتية حتى من قبل الاستقلال.

دولة صغيرة لا تعرف قوائم الانتقام ممن كتب ضدها أو تعاطف مع خصومها أو ركل كرمها بعد سنوات الإقامة فيها، وكثيرون فعلوا ذلك لكن الكويت كانت تكبر على الإيذاء، فيأتي الإعلامي ويقضي سنوات طويلة من عُمره ويتمتع بخيرات المضيف، ويضمن مستقبله المادي وأسرته، فإذا عاد إلى بلده الأم أساء للكويت، فتترفع الديرة عن الردّ أو التربص به.

دولة صغيرة تنكمش أمام مسؤوليها دولة الاحتلال الصهيوني، فيقف رئيس برلمانها ويجاهر بكراهية المغتصب الصهيوني ويطرد الوفد الإسرائيلي أمام صمت كل الوفود العربية؛ فإذا عاد الوفد لا يتلقى كلمة عتاب واحدة من سمو الأمير، فالحصانة البرلمانية جزء لا يتجزأ من حرية المواقف المبدئية.

دولة صغيرة لا تُشارك في اجتماعات الغضب والمقاطعة والخصام الأخوي، فإذا اقتربت منها فهي على نفس المسافة مع كل الأشقاء الطيبين منها والأشقياء!

دولة صغيرة تحقق معجزة التسامح في دعمها المادي للعراق الذي لم يسدد ما عليه لها من تعويضات غدر جيشه بالجارة الصغيرة.

دولة صغيرة تلتف حول أسرة حاكمة، في السراء والضراء، لأكثر من قرنين فشعبها يشعر بالأمان والأمن في كنف حُكم آل الصباح الكرام، فالعقد الذي لا ينفرط حالة ثقة، وضمان لعدم قفز المذهبية في أركانها، واستقرار سياسي واجتماعي وبرلماني.

تلك هي لمحات عن الكويت التي عرفتها منذ عام 1982، وأصدرت ثلاثة كتب عنها، واقتربت من فكر مسؤوليها وإعلامييها وأدبائها ومواطنيها.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين

أوسلو في 21 ابريل 2019

شاهد أيضاً

من أوسلو: محمد عبدالمجيد: صاحب السمو الأمير و.. حديث عن المرض!

                                         صاحب السمو الأمير و.. حديث عن المرض!   الرجال العظماء لا يخجلون من الحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *