الثلاثاء , 7 فبراير 2023
المواطنة السليمة المقترنة

من باريس: رشاد القبيسي: الاعدام بين الرفض والقبول

يقول الكاتب موريس توسكا إنّ الفرق بين مؤيد عقوبة الإعدام ورافضها يكمن في أنّ الأول يتشبه بالفطرة بالضحية، بينما تأخذ الغريزة رافضها للتشبه بالقاتل. هذه المقاربة النفسية للإعدام لا تلقى قبولاً بين من يؤيده لاعتبارات دينية، فقتل النفس بالحق يعتبر واجباً دينياً لديه. لكنّ هنالك من يرفض الإعدام لاعتبارات إنسانية، فقتل النفس بحق أو بغير حق يعتبر ترجمة فعلية للبربرية بحسب الكاتب فيكتور أوغو.

لا تخرج المقاربة القانونية للإعدام من دائرة الخلاف الفقهي بين القانونيين. وتختلف المعايير التي يستند اليها فقهاء القانون لقبول العقوبة أو رفضها. من ذلك، ما يتعلق بالحق في الحياة والمساواة أمام القضاء، وما يرتبط بالطابع الإصلاحي للعقوبة، في حين يرتبط بعضها الآخر باحترام حقوق الضحية وذكراه.

يعتبر البعض أنّ الحق في الحياة هو أسمى الحقوق المطلقة ولا يجوز التعرض له مهما كانت الظروف، وأنّ للمتهم الحق في إعادة تأهيله وإعطائه فرصة أخرى باعتبار أنّ هدف النظام القضائي الحديث هو إصلاح الأفراد بصورة أولية، وأنّ العقاب بحد ذاته ليس أساس العدل.

في المقابل، يأخذ فريق آخر من القانونيين وجهة نسبية لهذا الحق في الحياة معتبرين أنّ جسامة الجرم قد تبرّر المساس به عبر تطبيق عقوبة الإعدام. وأنّ شخصاً أضرّ بمجتمعه على نحو شنيع ليس أهلاً للتأهيل لأنّ فشل هذا الأمر قد يدفع به إلى ارتكاب جرم جديد.

أما في ما يتعلّق بالمساواة أمام القضاء، فيقول المعترضون على عقوبة الإعدام إنّ الدعاوى الجزائية ليست منزهة وهي عرضة لخطأ مادي أو قانوني. والدليل على ذلك يكمن في أنّ عديد من الأشخاص حُكموا بالإعدام، وتبين لاحقاً عدم ارتكابهم الجرم. يرد مؤيدو فكرة الإعدام على ذلك بأنّ التطور التقني والتكنولوجي حدّ كثيراً من هذه الأخطاء القضائية، وأنّ مبدأ الشك يفسر دائماً لمصلحة المتهم.

ويتخذ عدم المساواة أمام الإجراءات القضائية طابعاً آخر، فالمتهم قد لا يكون قادراً على الاستحصال على خدمات محام جيد متخصص لأسباب مالية أو غيرها. بالتالي لا يجوز الحكم بإعدام أشخاص بسبب عدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم، لا سيما في الأنظمة القضائية التي تفرض على المتهم تقديم دليل براءته. يعترض مؤيدو فكرة الإعدام على هذا التحليل معتبرين أنّ هذه العقوبة تشكل الوسيلة الأمثل لإحقاق العدالة، وأنّ الأشخاص الذين يرتكبون جرائم فادحة لا يستحقون المساعدة، ولا يحق لهم الإدلاء بحق الدفاع الذي لا يكون برأيهم متناسباً في جميع الأحوال مع فظاعة الجرم.

أمّا في ما يتعلق بالطابع الإصلاحي لعقوبة الإعدام، فيرى مؤيّدو العقوبة إنّ إصلاح المجتمع أهم من إصلاح الفرد المرتكب للجرم. والترهيب الناجم عن تطبيق عقوبة الإعدام يحث الأفراد على التفكير ملياً قبل ارتكاب الجريمة.

يرد رافضو العقوبة على ذلك، أنّ السجن مدى الحياة أكثر إصلاحاً. وما الدليل إلاّ الدراسات الأميركية التي تبين أنّ معدل الجرائم الفظيعة في الولايات الأميركية الجنوبية التي تطبق عقوبة الإعدام، أكثر ارتفاعاً من معدلها في الولايات الشمالية التي استبدلت عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد، من دون إمكانية إخلاء سبيل القاتل.

أما في ما يتعلق بحقوق الضحية، فيرى مؤيدو الإعدام أنّه يؤدي بصورة مباشرة الى التعويض المعنوي للضحية ولأقربائه عن الضرر الذي أصابهم، وأنّ ذلك من شأنه أن يمنع عمليات الثأر المتبادلة في الدول التي يتخذ فيها البعد العشائري وضعاً حقيقياً. يرد الرافضون أنّ قتل القاتل من شأنه أن يزعزع السلامة النفسية لمن ينفذ عقوبة الإعدام، فيخلق ضحية جديدة.

ومهما اختلفت الآراء حول فعالية عقوبة الإعدام من عدمها، إلا أنّ الحل الأفضل يكون بتنوير المجتمع حول المخاطر المترتبة على ارتكاب بعض الجرائم المعاقب عليها بالإعدام، وقيام نظام قانوني وقضائي سليم ومتكامل. من جهة أخرى، العمل على إلغاء المحاكم الاستثنائية التي تشبه إلى حد بعيد المحاكم العرفية خلال الحروب. كذلك يتوجب على الدول أن تطور جهازها الأمني لتمنع حصول الجرائم.

تبقى الإشارة إلى أنّ معظم القوانين الجزائية في الدول العربية ما زالت تحتوي على نصوص تقضي بعقوبة الإعدام، كما تصدر محاكمها مثل هذه العقوبات. ومع ذلك، فإنّ العديد منها اعتمد بقرار سياسي مسؤول، عدم إعطاء الصيغة التنفيذية النهائية للحكم القضائي القاضي بالإعدام، كما هو الحال في تونس والمغرب ولبنان.

تطبيق عقوبة الإعدام لا بدّ من أن تحكمه اعتبارات إنسانية خاصة بشخص المتهم. من جهة، لا بدّ من وقف تنفيذ حكم الإعدام بالأطفال والأحداث المدانين، وذلك بسبب عدم قدرتهم على التمييز. كذلك يجب أن يأتي هذا التطبيق في إطار نظام قضائي نزيه لا يتمكن الحاكم من خلاله من استخدام عقوبة الإعدام لتصفية خصومه السياسيين. أيضاً، لا يجب أن تحكم اعتبارات اقتصادية تطبيق العقوبة، لا سيما عبر القول إنّ إعدام المجرمين أقل كلفة من تحديث السجون وإيداعهم في داخلها.

د. رشاد القبيسي

دكتور في الحقوق ومحام بالاستئناف في باريس

@avocatkobeissi 

شاهد أيضاً

المواطنة السليمة المقترنة

من باريس: رشاد القبيسي: المشروع التجاري بين الوجود القانوني والوهم

أن عملية الاستثمار ترمي إلى إيجاد مشروع تجاري أو اقتصادي يكون الهدف منه الحصول على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *