الخميس , 13 يونيو 2024
المواطنة السليمة المقترنة

من باريس: رشاد القبيسي: الموجبات الطبيعية للطبيب

كتب الفيلسوف الفرنسي فولتير في القرن الثامن عشر أن “فنّ الطبابة يقوم على إلهاء المريض فترة من الزمن، تخوّل الطبيعة التدخّل لشفائه”.

لا شكّ في أنه كان يعي نسبيّة مقولته، لا سيّما أنه كان أكثر من حاضر في مفهوم عقلنة المجتمع.

إن تطبيق مفهوم عقلنة المجتمع على الواقع الطبي يفرض الرجوع إلى الموجبات التي تفرضها أنسنة المهنة الطبية، بغضّ النظر عن التدخل المباشر أو غير المباشر للمشرّع أو القضاء بهدف تحديد ماهيّة ومفهوم الالتزام أو الخطأ الطبي ومدى التعويض عنه.

ولا يختلف اثنان على أن مهنة الطب تتّسم بالإنسانيّة، وأن على الطبيب أن يتصرّف بما يليق بهذا الطابع، فيغدو ملزماً باحترام قواعد أخلاقية وأدبية تؤطّر نشاطه اليومي فتبعث الطمأنينة والسلام في نفس المريض وتنتقل بالتالي إلى المجتمع كله.

تتعدد الموجبات الأخلاقية المترتّبة على الطبيب، فتظهر حيناً في احترامه لموجب الحرص والاهتمام بالمريض، وفي أحيان أخرى عند احترامه للموجبات المتعلقة بممارسة مهنة الطب على وجه عام.

وموجب الحرص على مصلحة المريض وصحته والاهتمام به، يفرض نفسه من دون حاجة إلى نصّ قانوني، ويكون قابلاً للتطبيق طيلة فترة العلاج الممتدّة من بدء الفحص الطبي مروراً بالتشخيص ووصف الأدوية وصولاً إلى العمل الجراحي عند الضرورة.

وموجب الاهتمام والحرص على المريض يعني أن يكون التدخّل الطبي هادفاً من الناحية المهنية، أي أن يتم لفائدة العلاج. من هنا، على الطبيب ألا يقوم بأي عمل طبي أو جراحي غير ضروري وألا يقوم بأي عمل لا يتناسب مع المرض وفقاً لما تفرضه العلوم الطبية.

والطابع الإنساني للمهنة يعني أيضاً أن قبول الطبيب بمهمة تقديم المساعدة أو المعالجة الطبية يوجب عليه تنفيذ مهمته بنفسه على أفضل وجه. وإذا أراد التوقف عن المعالجة الطبية، عليه أن يخبر المريض بذلك وأن يطلب منه تعيين طبيب آخر لكي يتمكن من إرسال ملفه الطبي إليه. في جميع الأحوال، يكون الطبيب ملزماً بتقديم المعونة والمساعدة في حال الضرورة.

والموجبات الطبيعية الواقعة على الطبيب تعني أيضاً وجوب تواصله الدائم مع مريضه، وذلك عبر إعلام المريض بوضعه الصحي ومترتبات العلاج ونتائجه وضرورة متابعته. لكن ذلك لا يعني أن على الطبيب إعلام المريض بكل المعلومات المتوفّرة لديه، بل يمكنه أن يقدّم له تلك التي يراها ضرورية، وذلك وفقاً لطبيعة المرض وتطوّره وطبيعة العلاج المنوي تقديمه وكذلك وفقاً لشخصيّة كل مريض على حدة.

تجدر الإشارة إلى أن العمل الطبي غالباً ما يمسّ بكينونة الإنسان الجسدية، لذا لا بدّ من أن يكون متلقي العلاج قد أعطى رضاءً غير مشوب بعيب ليكون عرضة لهذه المخاطر. من هنا، يتوجب على الطبيب الاستحصال على رضاء المريض شخصياً، إلا في حال كان الأخير غير قادر على التعبير عن إرادته بشكل سليم، شرط أن يقوم بكل ما يلزم لإعلام أحد أقربائه أو أحد الأشخاص الذين يثق بهم المريض.

يبقى القول إن من الموجبات الطبيعية الواقعة على عاتق الطبيب، تأمين فعالية العلاج. لذلك، لا بد من أن يمارس عمله باستقلالية مهنية مدعماً باختصاص تقني ومحمياً بتأمين مهني إلزامي.

والاستقلالية المهنية تعني أن يتّخذ الطبيب قراراته معتمداً على ضميره وعلى العلوم التي حصل عليها، من دون التأثر بأي معطيات أخرى مهما كانت طبيعتها وشكلها. بالتالي على الطبيب أن يرفض تفضيل دواء على آخر بسبب التقديمات العينية أو المادية التي قد يحصل عليها من بعض شركات الأدوية.

ومبدأ الاستقلالية المهنية يعني أيضاً ألا يخضع الطبيب لإملاءات المستشفى التي يعمل فيها، في كل ما يتعلق بجوهر العمل الطبي المهني، لا سيّما التشخيص وتحديد العلاج وإتمامه. وفي هذا الإطار، يمكن للطبيب أن يقبل ببعض الأمور الإدارية كتحديد ساعات عمله والمكان الذي يمارس فيه عمله وكذلك القبول بالأدوات الطبية الموضوعة في تصرفه، شرط ألا يمسّ ذلك بنوعية العلاج الطبي المقدم.

من جهة أخرى، تفرض فعالية المتابعة الطبية أن يحترم الطبيب موجب الاختصاص الطبي، وهو ما يفرض عليه القيام بالتشخيص والوقاية والعلاج وفقاً للعلوم التي حصل عليها وتلك التي سيحصل عليها لاحقاً. لكن على الطبيب أن يرفض، إلا في الظروف الاستثنائية، القيام بأي عمل طبي وقائي أو علاجي في المجالات التي لا تدخل في نطاق اختصاصه أو إمكاناته، كما هي الحال بالنسبة إلى طبيب الصحة العامة، إذ يتوجّب على هذا الأخير عدم التدخل في علاج مرض يصنّف من اختصاص طبيب متخصص، بالتالي عليه إحالة المريض وملفه الطبي إلى المتخصص.

تجدر الإشارة إلى أنه، ولكي يضمن لمريضه الحق في الحصول على تعويض كافٍ عن الضرر الذي قد يصيبه نتيجة العلاج الطبي، يتوجّب على الطبيب إبرام عقد تأمين مهني يغطي الأضرار الناجمة عن الأخطاء الطبية. من هنا، تأتي أهمية اعتماد نقابة الأطباء تسعيرة موحّدة بالاتفاق مع مؤسسات التأمين لحماية الطبيب والمريض على حد سواء.

د. رشاد القبيسي

دكتور في الحقوق ومحام بالاستئناف في باريس

@avocatkobeissi 

شاهد أيضاً

المواطنة السليمة المقترنة

من باريس: رشاد القبيسي: المشروع التجاري بين الوجود القانوني والوهم

أن عملية الاستثمار ترمي إلى إيجاد مشروع تجاري أو اقتصادي يكون الهدف منه الحصول على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *